الأحد 13 سبتمبر 2026 8:50 صباحًا - بتوقيت القدس
مع إعلان نتائج الثانوية العامة، يبدأ سباق آخر لا يقل أهمية عن الامتحان نفسه: سباق القبول الجامعي. ينتقل الطلبة خلال فترة قصيرة من المدرسة إلى التفكير في تخصصات مثل الطب والهندسة والصيدلة وغيرها من التخصصات التي تتطلب أساسًا علميًا ومهارات تعلم مرتفعة، وأحيانًا الدراسة بلغة تختلف عن اللغة التي اعتاد الطالب أن يتعلم بها. وهنا يبرز سؤال يستحق التوقف: هل يكفي معدل الثانوية العامة للحكم على جاهزية الطالب للجامعة، أم أن هناك فجوة بين المعدل الذي يظهر على الورق وبين مستوى التحصيل الفعلي والمهارات التي يحتاجها الطالب للنجاح؟المعدل مهم، ولا يمكن التقليل من قيمته في قياس التحصيل المدرسي، لكنه لا يساوي بالضرورة الجاهزية الجامعية. فالمعدل هو حصيلة أداء الطالب في مجموعة واسعة من المواد، وقد يكون بعضها بعيدًا عن طبيعة التخصص الذي سيلتحق به. لذلك فإن النظر إلى المعدل وحده قد لا يكشف مستوى الطالب في المواد الأساسية المرتبطة بتخصصه، ولا في مهارات القراءة والفهم والكتابة والتحليل وحل المشكلات والتعلم المستقل.وهنا يجب التمييز بين مفهومين: أهلية القبول، وجاهزية النجاح. قد يكون الطالب مستوفيًا لشروط القبول وفق المعدل، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أنه يمتلك جميع المعارف والمهارات التي يحتاجها للنجاح في برنامج جامعي متخصص. وربما يكون من المفيد، إلى جانب المعدل، النظر إلى أداء الطالب في المواد الأساسية ذات الصلة بالتخصص، وإلى مجموعة من المهارات التي تشكل قاعدة للتعلم الجامعي.وتزداد المسألة تعقيدًا عندما نضع في الاعتبار الفاقد التعليمي المتراكم. فالحصول على شهادة الصف الثاني عشر لا يعني بالضرورة أن جميع المعارف والمهارات التي يفترض أن يكتسبها الطالب خلال اثنتي عشرة سنة من التعليم قد ترسخت بالدرجة نفسها. قد يصل الطالب إلى نهاية المرحلة المدرسية وهو يحمل فجوات في القراءة أو الكتابة أو الرياضيات أو العلوم أو مهارات التعلم. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: إلى أي صف وصل الطالب رسميًا؟ بل: ما مستوى ما يستطيع القيام به فعليًا؟وتكشف نتائج اختبارات PISA الدولية جانبًا مهمًا من هذه الصورة. ففي أحدث نتائج PISA 2025، جاءت نتائج الطلبة في فلسطين في الرياضيات والقراءة والعلوم دون متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما انخفض الأداء في الرياضيات والعلوم مقارنة بنتائج 2022، مع ارتفاع نسبة الطلبة الذين يقعون دون مستوى الكفاءة الأساسي في المجالات الثلاثة. وهذه النتائج لا تكفي وحدها لتشخيص واقع التعليم بكل أبعاده، لكنها تقدم مؤشرًا مهمًا إلى حجم التحديات التي تواجه المهارات الأساسية التي يصل بها الطلبة إلى نهاية المرحلة المدرسية. ومن هنا تصبح قضية الجاهزية الجامعية أكثر إلحاحًا: فإذا كانت هناك فجوات في المهارات الأساسية، فإن شهادة الثانوية لا تعني بالضرورة أن هذه الفجوات اختفت، بل قد تنتقل مع الطالب إلى المرحلة الجامعية وتصبح أكثر تعقيدًا.وعندما يلتقي الفاقد التعليمي مع التعلم بلغة أخرى، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا. فالطالب الذي يعاني أصلًا من فجوات في أساسيات التعلم قد يجد نفسه أمام تحديين في الوقت نفسه: فهم المفهوم العلمي، وفهم اللغة التي يقدم بها هذا المفهوم. ويمكن تصور ذلك كتجربة فكرية بسيطة: إذا أعطينا الطالب صفحة علمية بالمستوى نفسه، مرة بلغته الأقوى ومرة بلغة أضعف لديه، فكم من الجهد الذهني سيبقى في كل حالة لفهم الفكرة العلمية نفسها؟هذا لا يعني أن التعليم باللغة الإنجليزية مشكلة في حد ذاته، ولا أن العودة إلى لغة واحدة هي الحل. فاللغة الإنجليزية مهمة جدًا للوصول إلى المراجع العلمية والبحث العالمي، ولإعداد الطالب لسوق عمل يتجاوز الحدود المحلية. لكن السؤال الأدق هو: كيف نبني معرفة عميقة لدى الطالب، وفي الوقت نفسه نضمن امتلاكه اللغة العلمية والمهنية اللازمة لتخصصه وسوق العمل؟ومن التجارب التي تستحق التأمل تجربة كليات الطب في سوريا، حيث يتم التدريس باللغة العربية، مع اعتماد المصطلحات الطبية الإنجليزية واللاتينية إلى جانب العربية، وهو ما يتيح للطالب بناء المفاهيم والمعرفة الطبية بلغته، دون أن ينفصل عن اللغة العلمية العالمية. وقد أسهمت المناهج الأكاديمية والتدريب السريري المكثف في المستشفيات الجامعية في بناء قاعدة علمية ومهنية قوية لدى كثير من الخريجين، ساعدتهم لاحقًا، مع الاعتماد على المراجع العالمية والتحضير لامتحانات المعادلة مثل USMLE، على التعامل مع البيئة الطبية الدولية والتأقلم مع متطلباتها اللغوية والمهنية. وليس المقصود من هذا المثال إثبات أن لغة معينة أفضل دائمًا، وإنما طرح إمكانية بناء المعرفة بعمق بلغة الطالب الأقوى، مع اكتساب اللغة العلمية العالمية بصورة منهجية.ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل هذه القضية عن واقع التعليم العالي نفسه. فقد اتسع سوق التعليم العالي، وأصبحت المؤسسات والبرامج تتنافس على استقطاب الطلبة. وليس في المنافسة بحد ذاتها مشكلة؛ فهي قد تدفع المؤسسات إلى تحسين برامجها وخدماتها. لكن المشكلة تظهر عندما تتحول المنافسة على استقطاب الطالب إلى سباق نحو القبول السريع، بينما لا يحصل التشخيص الأكاديمي للطالب واحتياجاته على الاهتمام نفسه.فالطالب الذي أنهى الثانوية بالأمس قد يحصل على قبول جامعي سريع بناءً على معدله، بينما لا تملك المؤسسة في تلك اللحظة صورة كافية عن مستواه الفعلي في المهارات الأساسية أو اللغة الأكاديمية أو المواد التي سيبني عليها تخصصه. وهنا يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت المدرسة لم تتمكن من سد الفجوة التعليمية، وإذا كانت الجامعة تقبل الطالب اعتمادًا على المعدل قبل أن تعرف مستواه الفعلي، فهل نحن لا ننقل المشكلة من مرحلة إلى أخرى فحسب؟السؤال ليس اتهامًا للجامعات بأنها تتعمد ذلك، بل دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم المنافسة. فالمنافسة الحقيقية بين مؤسسات التعليم العالي لا ينبغي أن تكون فقط في من يحصل على الطالب أولًا، وإنما في من يستطيع تحويل الطالب الذي التحق به إلى خريج يمتلك معرفة ومهارات حقيقية.وكانت جامعة بيرزيت، في سنوات سابقة، تعتمد امتحانًا لتحديد مستوى الطلبة في اللغة الإنجليزية، بهدف تحديد ما يحتاجه الطالب من مساقات أو دعم لغوي. وتكمن أهمية هذه التجربة السابقة في طرح مبدأ أساسي: لماذا نفترض أن جميع الطلبة يصلون إلى الجامعة بالمستوى نفسه بدل قياس مستوياتهم أولًا؟ وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحديث عن بيرزيت يتعلق بتجربة سابقة، وليس وصفًا لنظامها الحالي.لكن في المقابل، يجب ألا نحمّل الجامعة مسؤولية لا تستطيع تحملها. فالجامعة تقدم تعليمًا تخصصيًا، وليست مهمتها الأساسية إعادة بناء جميع المهارات المدرسية التأسيسية التي كان يفترض أن تتكون قبل الوصول إليها. ويمكن للجامعة أن تقدم دعمًا وبرامج علاجية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المدرسة. ولذلك فإن معالجة الفجوات التعليمية مسؤولية مشتركة بين مراحل التعليم، مع وضوح ما تستطيع كل مرحلة القيام به وما لا تستطيع.الحل إذن ليس في إلغاء المعدل، ولا في استبداله باختبار واحد، وإنما في الانتقال من القبول إلى التشخيص. يمكن أن يكون المسار على النحو الآتي: معدل الثانوية، ثم القبول، ثم تشخيص مستوى الطالب، ثم تحديد الفجوات، ثم برنامج تأهيلي عند الحاجة، ثم متابعة مبكرة خلال السنة الأولى.الاختبار التشخيصي هنا ليس أداة لإقصاء الطالب، بل وسيلة لمعرفة احتياجاته. فقد يحتاج طالب إلى دعم في الإنجليزية الأكاديمية، وآخر إلى تقوية في الرياضيات أو العلوم الأساسية، وثالث إلى تطوير مهارات الدراسة والقراءة والكتابة والتحليل. وعندما نعرف الفجوة مبكرًا، يصبح التدخل ممكنًا قبل أن تتحول المشكلة إلى تعثر أو رسوب أو انسحاب.ومن هنا يمكن التفكير في معيار أوسع للجاهزية الجامعية، لا يلغي شهادة الثانوية ولا يقلل من شأنها، بل يكملها. ويمكن أن يشمل هذا المعيار، بحسب طبيعة التخصص، القراءة والفهم، والكتابة، والتفكير والتحليل، والرياضيات والعلوم، والإنجليزية الأكاديمية، ومهارات التعلم المستقل. مثل هذا الإطار قد يكون أكثر عدالة؛ لأنه لا يكتفي بالحكم على الطالب، بل يساعد على معرفة نقاط قوته وفجواته وتحديد نوع الدعم الذي يحتاجه.وفي النهاية، لا ينبغي أن ننظر إلى القبول الجامعي باعتباره نهاية مرحلة وبداية أخرى فقط، بل باعتباره نقطة انتقال تحتاج إلى تشخيص واعٍ. فالمشكلة ليست في أن يدخل الطالب الجامعة بمعدل منخفض أو مرتفع، وإنما في أننا قد لا نعرف المستوى الذي يدخل به فعلًا. فقد يحمل شهادة تثبت اثنتي عشرة سنة من التعليم، بينما يحمل في بعض مهاراته الأساسية فاقدًا تعليميًا كبيرًا؛ ثم نطلب منه أن يبدأ تعليمًا جامعيًا متخصصًا، أحيانًا بلغة ليست لغته الأقوى، وننتظر منه في النهاية مخرجات عالية الجودة.وهنا يصبح الحديث عن جودة المخرجات الجامعية مرتبطًا بجودة المدخلات، وبالتشخيص المبكر، ومعالجة الفاقد التعليمي، وملاءمة لغة التعليم، وجودة العملية التعليمية نفسها. فهل نريد من الجامعة أن تكون بوابة لقبول الطلبة، أم مؤسسة قادرة على معرفة الطالب الذي قبلته، وتشخيص احتياجاته، ومساعدته على النجاح؟لذلك ينبغي أن يكون معدل الثانوية العامة بداية السؤال، لا نهايتهl———الحديث عن جودة المخرجات الجامعية مرتبط بجودة المدخلات، وبالتشخيص المبكر، ومعالجة الفاقد التعليمي، وملاءمة لغة التعليم، وجودة العملية التعليمية نفسها. فهل نريد من الجامعة أن تكون بوابة لقبول الطلبة، أم مؤسسة قادرة على معرفة الطالب الذي قبلته، وتشخيص احتياجاته، ومساعدته على النجاح؟
القبول في الجامعات بين المعدل وجاهزية الطالب والتعلم بلغة أُخرى
د. رمزي عودة/ الأمين العام للحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبرتهايد
وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
التعليقات (0)