الأحد 13 سبتمبر 2026 8:52 صباحًا - بتوقيت القدس
صدر قبل أيام تقرير PISA 2025 عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ووسط عشرات الجداول والمؤشرات يبرز رقم فلسطيني يصعب المرور عليه باعتباره مجرد نتيجة امتحان دولي: 76.4% من طلبتنا في سن الخامسة عشرة لم يبلغوا الحد الأدنى من الكفاءة في العلوم.أي أن نحو ثلاثة من كل أربعة طلبة فلسطينيين شاركوا في التقييم لم يصلوا إلى المستوى الذي يعتبره البرنامج حدًا أدنى للقدرة على فهم الظواهر العلمية المألوفة واستخدام المعرفة والبيانات في مواقف بسيطة. وفي الرياضيات جاءت النتائج بالاتجاه نفسه، بينما كان الأداء في القراءة منخفضًا أيضًا. والأكثر إثارة للقلق أن نسبة الطلبة الفلسطينيين ذوي الأداء المتدني ارتفعت مقارنة بعام 2022 بمقدار 8 نقاط مئوية في العلوم، و7 نقاط في الرياضيات، و4 نقاط في القراءة.هذه ليست أرقامًا ينبغي استخدامها لجلد التعليم الفلسطيني، ولا لإدانة المعلم أو الوزارة أو المنهاج. لكنها بالتأكيد أرقام لا يجوز أن تمر بهدوء.لقد شارك في التقييم 9,648 طالبًا فلسطينيًا من 319 مدرسة، يمثلون قرابة 50,400 طالب وطالبة في سن الخامسة عشرة، وإن كانت العينة، لأسباب تتصل بالواقع الفلسطيني الاستثنائي، تمثل نحو 54% فقط من مجمل الفلسطينيين في هذه الفئة العمرية. كما أن المقارنة الدولية تضع متوسط الطالب الفلسطيني عند 359 نقطة في العلوم مقابل 482 نقطة لمتوسط دول OECD، وعند 354 نقطة في الرياضيات مقابل 463 نقطة. وبين عامي 2022 و2025 تراجع المتوسط الفلسطيني 17 نقطة في العلوم و18 نقطة في الرياضيات.لكن الرقم الذي ينبغي أن يشغلنا أكثر من الترتيب الدولي هو ما وراء الرقم. فالطالب الذي شارك في PISA ليس طفلًا دخل المدرسة بالأمس. إنه في الخامسة عشرة من عمره، وأمضى سنوات طويلة داخل النظام التعليمي. وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة: ماذا حدث خلال هذه السنوات؟ هل يكفي أن يكون الطالب قد جلس آلاف الساعات في الصف، وأنهى كتبا وقدم امتحانات وانتقل من صف إلى آخر، لكي نقول إنه تعلم؟ ربما نحتاج، قبل البحث عن الإجابات، إلى إعادة صياغة السؤال نفسه.لقد انشغلنا طويلًا بالتعليم، وربما آن الأوان أن ننشغل أكثر بالتعلم. والفرق بينهما جوهري. التعليم هو ما تقدمه المنظومة: مدرسة، ومعلم، وكتاب، ومنهاج، وحصة، وامتحان وشهادة.أما التعلم فهو ما يبقى في عقل الطالب بعد ذلك كله: هل يستطيع أن يقرأ نصًا ويفهم معناه؟ هل يستطيع أن يستخدم الرياضيات في حل مشكلة لم يرها من قبل؟ هل يستطيع أن يفسر ظاهرة، ويقارن بين معلومتين، ويشك في معلومة ضعيفة، ويبحث عن الدليل، ويبني رأيًا؟وهنا تكمن أهمية PISA. فهو لا يسأل أساسًا: ماذا حفظ الطالب من كتابه؟ بل يحاول معرفة: ماذا يستطيع أن يفعل بما تعلمه؟ ولهذا ينبغي ألا يكون ردنا على النتائج البحث عن مبررات لها، مع أن لدينا من الظروف ما يكفي لتفسير الكثير.فالمدرسة الفلسطينية تعمل تحت احتلال، وإغلاقات وحواجز واقتحامات، وأزمات مالية متلاحقة، وعدم انتظام في الدوام، فيما تعرض التعليم في غزة لضربة تاريخية لا يمكن قياس آثارها الكاملة بعد. والوزارة نفسها تضع اليوم استمرارية التعليم والاستجابة للطوارئ والدعم النفسي والوصول الآمن ضمن أولوياتها. كل ذلك حقيقي.لكن ثمة حقيقة أخرى لا تقل أهمية: نتائجنا كانت مقلقة أصلًا في PISA 2022، ثم أصبحت أسوأ في عدد من المؤشرات في 2025.وهذا يعني أن الظروف الاستثنائية لا ينبغي أن تمنعنا من طرح السؤال التربوي الداخلي. بل ربما تجعل طرحه أكثر إلحاحاً.وفي الوقت نفسه، تتحرك وزارة التربية والتعليم العالي في اتجاه إصلاحي واسع ضمن خطة "التعليم من أجل التنمية"، من تطوير الثانوية العامة والتوسع في التعليم المهني، إلى الذكاء الاصطناعي ومصادر التعلم المفتوحة. وقد بدأت هذا العام تعميم مصادر التعلم المفتوحة للصفوف من الأول حتى الرابع في المدارس الحكومية، بعد تجربة شملت 64 مدرسة ودراسة تقييمية ومشاورات ميدانية، مع توجه معلن نحو تنويع مصادر التعلم وعدم الاكتفاء بالنمط التقليدي. وهذا اتجاه يستحق الاهتمام والدعم، لكنه يجعل السؤال الذي تطرحه نتائج PISA أكثر أهمية، لا أقل: بأي معيار سنحكم على نجاح الإصلاح؟ هل بعدد المدارس التي طبقت مصادر التعلم المفتوحة؟ أم بعدد المعلمين الذين تدربوا؟ أم بعدد الأجهزة والمنصات؟ أم بمقدار ما تغير فعلًا في تعلم الطفل؟ لأننا نستطيع أن نستبدل الكتاب بشاشة ويبقى التلقين تلقينًا.ونستطيع أن نعطي الطالب عشرات المصادر بدل مصدر واحد، دون أن يتعلم كيف يقرأ أيًا منها قراءة نقدية.ونستطيع أن ندخل الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة، فيصبح الطالب أسرع في إنتاج الإجابة، دون أن يصبح أكثر قدرة على فهمها. ونستطيع، في النهاية، أن نغير أدوات التعليم كلها دون أن نغير التعلم نفسه.لهذا فإن إصلاح التعليم ينبغي أن يبدأ من النهاية لا من البداية، أي من السؤال: ما الذي نريد أن يكون الطالب قادرًا على معرفته وفهمه وفعله؟ ثم نبني المنهاج والتدريس والمصادر والتكنولوجيا والتقييم على أساس الإجابة.وهنا تظهر مشكلة أخرى أكثر خفاءً. فالطالب قد ينتقل من الصف الرابع إلى الخامس، ومن الخامس إلى السادس، بينما تنتقل معه فجوة لم تُعالج. ما لم يتعلمه في القراءة سيظهر لاحقًا في العلوم. وما لم يفهمه في الحساب سيظهر في الرياضيات.وما لم يكتسبه من قدرة على الفهم والتحليل سيلاحقه في الجامعة وربما في سوق العمل. وهكذا يتكون ما يمكن أن نسميه "الدَّين التعليمي": معرفة كان ينبغي أن يكتسبها الطفل في وقتها ولم يكتسبها، فتنتقل معه من سنة إلى أخرى، وتتراكم حتى تصبح كلفة تعويضها أكبر.ولذلك ربما يكون أخطر طالب في النظام التعليمي ليس الطالب الذي يرسب؛ فهذا نعرف أن لديه مشكلة. الأخطر هو الطالب الذي ينجح عامًا بعد عام بينما تتسع الفجوة بين الصف الذي وصل إليه والمستوى الحقيقي الذي يمتلكه.وهنا ينبغي أن نراجع بعض المؤشرات التي اعتدنا الاطمئنان إليها. نسبة النجاح مهمة، لكنها لا تكفي. عدد المدارس مهم، لكنه لا يكفي. عدد أيام الدوام مهم، لكنه لا يخبرنا وحده بما حدث داخل تلك الأيام. إن المؤشر الحقيقي لأي نظام تعليمي هو مقدار التقدم الذي يحدث في عقل الطالب.ولهذا نحتاج إلى ثقافة جديدة في القياس، لا يكون هدفها تصنيف المدارس أو معاقبة المعلمين، بل اكتشاف الفجوة مبكرًا.ينبغي أن نعرف، مثلًا: كم طفلًا في نهاية الصف الثالث يستطيع أن يقرأ نصًا مناسبا لعمره ويفهمه؟ وكم طالبا في السادس يستطيع حل مسألة رياضية تتطلب التفكير لا استظهار قاعدة؟ وكم طالبًا يستطيع استخدام المعرفة العلمية لتفسير مشكلة من حياته اليومية؟ ثم نعيد القياس. فإذا تحسن الطفل، نجح الإصلاح. وإذا لم يتحسن، فعلينا أن نمتلك الشجاعة لنغير ما نقوم به.وهناك في تقرير PISA نفسه ما يستحق أن يفتح نقاشات أخرى. فالفجوة بين الذكور والإناث في فلسطين لافتة للغاية؛ إذ تفوقت الإناث على الذكور بفارق 37 نقطة في العلوم و27 نقطة في الرياضيات، ووصلت نسبة الذكور منخفضي الأداء إلى 85% في العلوم و88.3% في الرياضيات. لماذا؟ هذا سؤال لا ينبغي أن ندفنه داخل جدول إحصائي، وسنعود إليه.كما سنحتاج إلى أن نسأل عن المعلم، والمنهاج، والكتاب، ومصادر التعلم المفتوحة، والذكاء الاصطناعي، والتوجيهي، والتعليم المهني، وعن العلاقة بين المدرسة والجامعة.لكن ينبغي أن نبدأ من السؤال الأم الذي يسبقها جميعًا: هل يتعلم أبناؤنا؟ وليس المقصود بهذا السؤال التشكيك في المدرسة الفلسطينية. على العكس ، فقد نجح الفلسطيني عبر عقود في جعل التعليم جزءًا من قدرته على البقاء والصعود الاجتماعي وحماية الهوية، ودافع عن المدرسة والجامعة في ظروف قلما واجهتها منظومة تعليمية أخرى.لكن الوفاء لهذه التجربة لا يكون بالدفاع عنها من الأرقام، بل باستخدام الأرقام لتطويرها. وقد يكون أهم ما يمكن أن نفعله مع نتائج PISA 2025 ألا نحولها إلى أيام قليلة من الغضب والاتهامات، ثم ننساها حتى يأتي الاختبار التالي.ينبغي أن نتعامل معها باعتبارها خط أساس وطنياً. نضع أمامنا نتائج 2025، ثم نسأل بعد عام وعامين وثلاثة: ماذا تغير؟ هل انخفضت نسبة الطلبة الذين لا يبلغون الحد الأدنى؟ هل تحسنت القراءة المبكرة؟ هل أحدثت مصادر التعلم المفتوحة فرقًا يمكن قياسه؟ هل تغيرت ممارسات التدريس؟ وهل بدأنا نسدد شيئًا من " الدَّين التعليمي " المتراكم؟عندها فقط يصبح الإصلاح قابلًا للمحاسبة، ويصبح النجاح أكثر من إعلان أو انطباع. لقد كتبت سابقا أن التعليم ركيزة للأمن القومي، وأن حماية حق الطفل الفلسطيني في الوصول إلى التعليم جزء من حماية مستقبل المجتمع.لكن نتائج اليوم تضيف إلى ذلك معنى آخر: ليس كافيًا أن نحمي طريق الطفل إلى المدرسة. علينا أن نحمي أيضا ما يحدث لعقله عندما يصل إليها. لقد نجح الفلسطيني طويلا في الدفاع عن حق أبنائه في أن يبقوا في التعليم، رغم الاحتلال والحرب والحصار والأزمات.أما المعركة التربوية المقبلة فهي أكثر دقة وربما أكثر صعوبة: أن نتأكد من أن التعليم يبقى في أبنائنا.ولهذا أبدأ هذه السلسلة بسؤال بسيط في كلماته، ثقيل في دلالاته، وأعتقد أنه يستحق أن يصبح سؤالًا وطنيًا لا سؤالًا لوزارة التربية وحدها: هل يتعلم أبناؤنا؟
د. رمزي عودة/ الأمين العام للحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبرتهايد
وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)