تشهد العلاقات المغربية- الإسبانية مداً وجزراً يرتبط بتداعيات نزاع الصحراء الغربية، وفي فترة شهدت فيها العلاقة بينهما انفراجة مهمة، قدم البلدان ملفاً مشتركاً لاستضافة نهائيات بطولة كأس العالم لعام 2030 بالاشتراك مع البرتغال.
وأعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) فوز الملف الثلاثي في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2024، ومنذ ذلك الحين انطلق الجدل بين المغرب وإسبانيا حول هوية المدينة التي ستحتضن المباراة النهائية لتلك البطولة، حيث صرح مسؤولون إسبان بأحقية واحد من ملعبي "سانتياغو برنابيو" في مدريد و"كامب نو" في برشلونة باستضافة تلك المباراة، نظراً إلى جاهزيتهما والإنجازات التاريخية لكرة القدم الإسبانية، فيما اقتصر الترويج من الجانب الآخر لجاهزية المغرب لاحتضان تلك المباراة المهمة على المستوى الشعبي، إلى أن أعلن رئيس "الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم" (اتحاد كرة القدم) فوزي لقجع أول من أمس الخميس أنها ستتم في مدينة بن سليمان (نحو 90 كيلومتراً من العاصمة الرباط) التي تشهد بناء ملعب ضخم بسعة 115 ألف متفرج.
وأعلن لقجع الذي انضم أخيراً إلى حزب "الأصالة والمعاصرة" أن مدينة بن سليمان ستحتضن المباراة النهائية لكأس العالم لعام 2030، خلال تجمع حزبي استعداداً للانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في الـ23 من سبتمبر (أيلول) الجاري، في وقت لم يحِن موعد إعلان جدول مباريات المونديال من طرف "فيفا"، مما قد يوحي بأن إعلان رئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم لا يعدو كونه بروباغاندا انتخابية. وأكد ذلك، تصريح لرئيس الحكومة المغربية، زعيم حزب "التجمع الوطني للأحرار" عزيز أخنوش، قال فيه إن مكان إجراء المباراة النهائية لم يُحسم بعد، موضحاً أن ذلك القرار يرتبط بمفاوضات وترتيبات تتجاوز المستوى الوطني، على اعتبار أن المغرب سيحتضن المونديال بصورة مشتركة مع إسبانيا والبرتغال، ومضيفاً "لم نتحدث بعد مع حلفائنا الإسبان والبرتغاليين، إن إجراء مباراة النهائي أمر يقرره الكبار".
وفي رده على تصريحات لقجع، تساءل رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم رافائيل لوزان "من أين يأتي بذلك الحديث؟ إن فوزي لقجع مرشح لرئاسة الحكومة المغربية، الحملة الانتخابية بدأت أمس، ونفت 'فيفا' تلك المزاعم في اليوم نفسه، مع التأكيد على عدم اتخاذ أي قرار حول المكان النهائي"، مضيفاً "ولكن على رغم غياب القرار الرسمي، فإنني أؤمن بأن إسبانيا هي المكان المناسب لاستضافة ذلك الحدث، لا يمكن أن يكون الأمر عكس ذلك".
من ناحية أخرى، دعت أحزاب إسبانية إلى إزاحة المغرب من الملف الثلاثي لاستضافة نهائيات كأس العالم لعام 2030، جراء تداعيات "الهروب الكبير" الذي شهد نزوح 72 ألف مهاجر غير شرعي من الأراضي المغربية نحو مدينة سبتة في أواخر يوليو (تموز) الماضي، إذ تقدّم حزب "فوكس" المنتمي إلى أقصى اليمين بطلب للبرلمان لاستبعاد المغرب من تنظيم نهائيات المونديال المقبل. وأعرب حزبا اليسار "بوديموس" و"سومار" الإسبانيان أنه لا ينبغي لمدريد المشاركة في تنظيم البطولة العالمية مع المغرب الذي وصفاه بأنه دولة "تستغل أشخاصاً يائسين لخدمة مصالحها الجيوسياسية"، فيما تساءل حزب "فوكس" عن قدرة المملكة على ضمان شروط الأمن والرقابة التي يتطلبها حدث يستقطب ملايين المشجعين، بعيد "التدفق الكبير للمهاجرين الآتين من المغرب إلى جيب سبتة خلال أيام قليلة".
من جانبه أوضح الخبير المغربي في المجال الاستراتيجي هشام معتضد أن "الرهان الحقيقي في ملف نهائي كأس العالم 2030 ليس رياضياً بقدر ما هو صراع ناعم على مركز الثقل داخل المشروع الثلاثي نفسه، فالمغرب وإسبانيا لا يتنافسان فقط على استضافة مباراة، بل على من ينجح في تحويل المونديال إلى شهادة دولية على تفوق نموذجه في التنظيم والقدرة المؤسساتية والجاهزية الأمنية والجاذبية الاستثمارية والتموضع داخل فضاء أورومتوسطي جديد، ولهذا فإن احتضان المباراة النهائية يحمل قيمة رمزية تتجاوز 90 دقيقة، إنها لحظة تتويج لمن يفرض نفسه كالعاصمة الفعلية للمشروع المشترك"، مشيراً إلى أن "محاولات بعض القوى السياسية الإسبانية ربط أزمة سبتة بمطلب استبعاد المغرب من تنظيم المونديال تعكس خلطاً بين المستويين الداخلي والاستراتيجي، على اعتبار أن تلك الدعوات تخدم الاستقطاب الانتخابي الإسباني أكثر مما تعكس منطق إدارة شراكة دولية بهذا الحجم، ومن منظور الحسابات الباردة، لا مصلحة لمدريد في تحويل الخلافات الثنائية إلى أداة لتفكيك مشروع يمنحها هي نفسها مكاسب اقتصادية وسياسية وجيوسياسية كبرى، كما لا مصلحة للرباط في الرد على هذا التسييس بتسييس مضاد، لأن المغرب يملك اليوم ورقة أقوى مرتبطة بتحويل المنافسة من سجال سياسي إلى اختبار موضوعي للكفاءة والقدرة".
التعليقات (0)