لا ينتهي الاستعمار بالضرورة عندما ترحل الجيوش، أو تُنزل الأعلام، أو تعلن الدول استقلالها السياسي. فقد ينتهي الاحتلال المباشر، بينما تبقى بعض آلياته حاضرة في بنية التفكير، وفي الاقتصاد، وفي المؤسسات، وفي أنماط صناعة القرار، بل وفي الطريقة التي تنظر بها الشعوب إلى نفسها وإلى العالم من حولها.
ومن هنا تبدأ معركة أكثر تعقيداً من معركة تحرير الأرض: معركة تحرير الوعي والسيادة. فالسيادة ليست مجرد علم يرفرف فوق مبنى حكومي، ولا مقعد في منظمة دولية، ولا اعتراف دبلوماسي بدولة. السيادة الحقيقية هي امتلاك القدرة على تعريف المصالح الوطنية، وصناعة القرار المستقل، وإنتاج المعرفة، وبناء الاقتصاد، وحماية الأمن، وتحديد موقع الدولة أو الأمة في النظام الدولي دون أن تتحول إلى مجرد تابع في منظومة أكبر منها.
لقد عرفت المنطقة العربية، منذ نهاية الحقبة الاستعمارية المباشرة، أشكالاً متعددة من التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية. ولم تكن المشكلة دائماً في وجود قوة خارجية تفرض إرادتها بالقوة، بل في قدرة منظومات الهيمنة على إعادة إنتاج نفسها من خلال أدوات أكثر نعومة وأقل وضوحاً.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من استعمرنا؟ بل أيضاً: كيف استمرت بعض آليات الهيمنة بعد رحيل المستعمر؟ وكيف تحولنا، في بعض الحالات، من مقاومة الهيمنة إلى التكيف معها؟ وهنا تحديداً تلتقي القضية الفلسطينية مع القضية العربية الأوسع.
أولاً: فلسطين ليست حادثة تاريخية منفصلة عن بنية النظام الدولي
لم تبدأ المعضلة الفلسطينية في عام 1948 وحده، كما أنها لا يمكن اختزالها في حدود هدنة أو حرب بعينها. فالجذور تعود إلى مرحلة تشكل النظام الدولي الحديث، عندما كانت المنطقة العربية تخضع لإعادة ترتيب جيوسياسي واسع في ظل تراجع الإمبراطوريات القديمة وصعود القوى الاستعمارية الأوروبية. جاء وعد بلفور عام 1917 في هذا السياق، ثم انتقل من مجرد إعلان سياسي إلى إطار مؤسسي مع إدماجه في منظومة الانتداب البريطاني على فلسطين. وهنا تكمن إحدى المفارقات التاريخية الكبرى: فقد كانت فلسطين، في الوقت الذي كانت فيه الشعوب العربية تناضل من أجل تقرير مصيرها، تتحول إلى ساحة لإعادة هندسة سياسية وديموغرافية لم يكن الشعب الفلسطيني صاحب القرار الأساسي فيها. ثم جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 عام 1947، المعروف بقرار التقسيم، بوصفه توصية سياسية اقترحت تقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، مع وضع القدس في نظام دولي خاص.
التعليقات (0)