في الضفة الغربية، لم يعد الإنترنت ترفًا أو مساحة إضافية في حياة الشباب، بل أصبح جزءًا من تفاصيل اليوم العادي. الهاتف الذكي حاضر في البيت والجامعة والمقهى والعمل، والمنصات ترافقنا منذ الصباح حتى نهاية اليوم. نبحث، نتعلم، نتابع الأخبار، نتواصل، نشتري، نبيع، ونشاهد العالم من شاشة لا تغادر أيدينا تقريبًا. الأرقام تؤكد هذا التحول بوضوح، فبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بلغت نسبة استخدام الإنترنت بين الشباب في الضفة الغربية من الفئة العمرية 18 إلى 29 عامًا نحو 97.7% خلال الربع الأول من عام 2026، فيما بلغت نسبة امتلاك الهاتف الذكي بينهم نحو 96.7%. أي أننا نتحدث فعليًا عن جيل متصل رقميًا بصورة شبه كاملة.
ولا يتوقف هذا الحضور عند الترفيه والتواصل الاجتماعي، فقد أصبح الإنترنت جزءًا أساسيًا من البيئة التعليمية أيضًا. وتشير بيانات وزارة التربية والتعليم إلى أن 98.6% من مدارس الضفة الغربية كانت متصلة بالإنترنت لأغراض تعليمية خلال العام الدراسي 2023/ 2024. كما يتضمن المسح الأسري لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لعام 2023 مؤشرات حول استخدام الأطفال للإنترنت للدراسة واكتساب المعرفة، وهو ما يعكس أن دوره التعليمي أصبح جزءًا أصيلًا من أنماط الاستخدام داخل الأسرة الفلسطينية، ولم يعد مقصورًا على التسلية أو التواصل فقط.
وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية. فإذا كان معظم الشباب متصلين بالإنترنت، والمدارس نفسها متصلة، والطالب يستخدم الشبكة في البحث والدراسة والوصول إلى المعرفة، فلماذا ينتهي جزء كبير من هذه العلاقة مع الإنترنت عند التخرج إلى انتظار وظيفة تقليدية؟ نحن أمام جيل يستطيع الوصول إلى العالم خلال ثوانٍ، لكنه لا يستطيع بالسهولة نفسها الوصول إلى فرصة اقتصادية مستقرة، ولذلك فإن المشكلة لم تعد في نقص الاتصال، بل في طبيعة ما نفعله بهذا الاتصال.
لقد نجحنا إلى حد كبير في إدخال الإنترنت إلى حياتنا اليومية وإلى العملية التعليمية، لكننا لم ننجح بالقدر نفسه في تحويله إلى ثقافة إنتاج وعمل واستقلال اقتصادي. يستخدم الطالب الإنترنت خلال سنوات الدراسة للبحث عن معلومة، وتحضير واجب، ومشاهدة شرح، والوصول إلى مصدر معرفي، ثم يتخرج ليعود إلى المعادلة القديمة نفسها: شهادة في اليد، وسيرة ذاتية، وانتظار إعلان وظيفة. وكأن الإنترنت كان أداة للدراسة فقط، وليس بوابة إلى سوق عمل أوسع.
لسنوات طويلة، بُنيت الثقافة التعليمية والمهنية على نموذج واضح: يدرس الشاب، يتخرج، ثم يبحث عن وظيفة في مؤسسة أو شركة أو جهة حكومية. وهذا النموذج لم يكن خاطئًا في حد ذاته، لكنه أصبح غير كافٍ في سوق يعاني أصلًا من محدودية فرص التشغيل، إضافة إلى الظروف الاقتصادية والسياسية المعقدة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني. وليس المطلوب أن نتخلى عن الوظيفة، ولا أن نقول لكل شاب افتح مشروعك وكن رائد أعمال، فمثل هذا الخطاب يبدو سهلًا لكنه لا يلامس الواقع دائمًا. المطلوب ببساطة أن نوسّع تعريفنا للعمل.
فالعمل اليوم لم يعد يعني مكتبًا وراتبًا فقط. يمكن أن يكون خدمة رقمية، أو عملًا حرًا، أو متجرًا إلكترونيًا، أو إدارة حسابات، أو ترجمة، أو تصميمًا، أو إنتاج فيديو، أو استشارة، أو تدريبًا، أو خدمة تقدم لعميل لا يعيش في مدينتك وربما لا يعيش أصلًا في بلدك. وهذا بالتحديد ما يجعل الإنترنت مختلفًا عن أي وسيلة عرفتها الأجيال السابقة، فهو لا يفتح نافذة على العالم فقط، بل يمكن أن يفتح سوقًا أيضًا. لكن الوصول إلى هذا السوق لا يحدث تلقائيًا، لأن وجود الهاتف والاتصال بالإنترنت لا يعني أن الشخص أصبح قادرًا على العمل رقميًا. هناك فجوة بين الاستخدام والمهارة، وبين المهارة والاحتراف، وبين الاحتراف والقدرة على بيع الخدمة أو المنتج.
التعليقات (0)