حين تمر المنظومة التعليمية بظروف استثنائية، قد يصبح تقليص أيام الدوام المدرسي إجراء تفرضه الضرورة. غير أن الخطر يبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى عادة، فيفقد الطفل جزءا من زمنه المدرسي، وتتقلص معه فرص التعلم والتفاعل والنمو. وفي الحالة الفلسطينية، حيث يواجه التعليم ضغوطا متراكمة، يصبح السؤال ضروريا: كيف نحافظ على حضور الطالب في المدرسة خمسة أيام، من دون أن نحمل المعلم أعباء إضافية أو نمس حقوقه وكرامته المهنية؟
أولا: لماذا أصبح يوم الطالب قضية وطنية؟
لم يعد يوم الطالب مجرد وحدة زمنية في جدول المدرسة، فهو مساحة للتعلم والتفاعل وبناء الشخصية والانتماء. وفي الظروف الفلسطينية الراهنة، يؤدي اضطراب انتظام التعليم وتقليص أيام الدوام إلى خسارة جزء من هذا الزمن، بما ينعكس على التعلم وعلى فرص القراءة والحوار والممارسة واللعب والفن والرياضة والتفاعل التي يحتاجها الطفل لنموه المعرفي والاجتماعي والإنساني.
وتأتي نتائج PISA 2025 لتضيف مؤشرا دوليا إلى صورة تعليمية كانت ملامحها ظاهرة في واقعنا التربوي ونتائج تقييماتنا الوطنية. فقد بلغ متوسط الطلبة الفلسطينيين 359 نقطة في العلوم، و354 في الرياضيات، و350 في القراءة، و393 في حل المشكلات الحاسوبي، ولم يبلغ مستوى الكفاءة الثاني أو أعلى منه سوى 17% في الرياضيات، و22% في القراءة، و24% في العلوم. كما أفاد 46% من الطلبة بأنهم تغيبوا عن يوم دراسي واحد على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للتقييم، و38% بأنهم تغيبوا عن حصة واحدة على الأقل. وتنسجم هذه المؤشرات، في اتجاهها العام، مع ما تعكسه نتائج الاختبارات الوطنية من مستويات تعلم لا تزال دون الطموح، بما يجعل القضية أوسع من PISA أو أي اختبار منفرد. فالتقييمات تكشف جانبا من واقع التعلم، بينما يكشف انتظام الحضور وجودة البيئة التعليمية وشروطها جوانب أخرى لا تقل أهمية.
من هنا يصبح زمن المدرسة موردا تربويا ووطنيا ينبغي حمايته، لأنه يوفر للطفل مجالا للتعلم والتفاعل وبناء قدراته وثقته وعلاقته بمحيطه، وكلما انكمش هذا الزمن أو اضطرب اتسعت فجوات التعلم وتراجعت فرص النمو التي تتيحها الحياة المدرسية. وفي الوقت نفسه، تبقى حماية زمن الطالب مرتبطة بحماية مكانة المعلم وحقوقه المهنية وكرامته؛ فالجودة التعليمية تقوم على إعادة تنظيم الزمن بما يصون حق الطفل في التعلم وحق المعلم في العمل الكريم والعادل.
ومن هنا يطرح الواقع سؤالا يتجاوز كيفية إدارة الأزمة إلى كيفية إعادة التفكير في الزمن المدرسي نفسه: إذا كان المعلم يعمل ثلاثة أيام في الأسبوع وفق الترتيبات الاستثنائية، فهل ينبغي أن يصبح ذلك ثلاثة أيام للطالب أيضا؟ أم نستطيع أن نحافظ على خمسة أيام من حياة الطفل المدرسية، مع صون حقوق المعلم وإعادة تنظيم الزمن بما يجعل كل يوم في المدرسة ذا قيمة تربوية؟
التعليقات (0)