تكشف تركيبة قائمة غادي آيزنكوت، التي اختار أن يقدّمها باعتبارها إحدى ركائز معسكر التغيير، عن مفارقة سياسية يصعب تجاهلها. فالقائمة تبدو متنوعة اجتماعياً ومهنياً، لكنها أقل تجانساً بكثير من الناحية السياسية، بل إن الحضور الواضح لليمين واليمين الديني والصهيونية الدينية فيها يطرح سؤالاً جدياً حول طبيعة البديل الذي يحاول آيزنكوت تقديمه للإسرائيليين. فوجود عدد كبير من الشخصيات المنتمية إلى اليمين، وبينها شخصيات ترتدي "الكيباه" وتنتمي إلى التيار الديني أو الصهيونية الدينية، لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل يتعلق بالتنوع الاجتماعي. فهذه التركيبة تعكس محاولة آيزنكوت بناء تحالف انتخابي عابر للمعسكرات التقليدية، لكنها في الوقت نفسه تجعل الحدود السياسية بينه وبين أجزاء من معسكر نتنياهو أقل وضوحاً.
وتزداد هذه الصورة وضوحاً عند النظر إلى الأسماء التي اختارها آيزنكوت. فالحضور الأمني والاستخباري في القائمة لافت؛ إذ تضم يورام كوهين، الرئيس السابق لجهاز الأمن العام "الشاباك"، إلى جانب شخصيات خدمت سابقاً في "الشاباك" و"الموساد"، فضلاً عن إليعازر شتيرن، الجنرال السابق والوزير وعضو الكنيست . ويبرز كذلك اسم كامل أبو ركن، الرئيس السابق لوحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وهو موقع ارتبط مباشرة بإدارة السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين تحت الاحتلال.
ويضاف إلى ذلك عدد من الشخصيات القادمة من المؤسسة العسكرية والأمنية وعائلات القتلى، بما يعزز صورة القائمة بوصفها قائمة تمنح وزناً كبيراً للخبرة الأمنية والعسكرية. وهذه ليست مفاجأة في حالة آيزنكوت، الذي يأتي هو نفسه من المؤسسة العسكرية ويقدم نفسه باعتباره شخصية أمنية قادرة على إدارة الدولة بصورة أكثر انضباطاً ومهنية من نتنياهو.
لكن هذا الحضور الأمني الكثيف لا يترافق، حتى الآن، مع وضوح مماثل في الرؤية السياسية تجاه الفلسطينيين. فالقائمة تجمع بين شخصيات أمنية رفيعة، وأخرى من اليمين واليمين الديني والصهيونية الدينية، وشخصيات مدنية ومهنية تفتقر إلى الخبرة السياسية والبرلمانية. وهو ما يطرح سؤالاً حول مدى قدرة هذه التركيبة المتنوعة على تشكيل كتلة سياسية متماسكة، خصوصاً عندما تواجه قضايا ائتلافية حاسمة أو خلافات حول الحرب والاحتلال والفلسطينيين.
ويكتسب وجود كامل أبو ركن أهمية خاصة في هذا السياق؛ فاختيار شخصية شغلت موقعاً مركزياً في إدارة شؤون الفلسطينيين داخل المنظومة الإسرائيلية يوضح أن القائمة لا تبتعد عن الدولة الأمنية، بل تستند إليها جزئياً في تقديم نفسها للناخب الإسرائيلي. وقد يكون ذلك مفهوماً انتخابياً في مجتمع ما زالت القضايا الأمنية تحتل فيه موقعاً مركزياً، لكنه يطرح من الجانب الفلسطيني سؤالاً مختلفاً: هل يستطيع من يقدّم نفسه بديلاً لنتنياهو أن يقدّم أيضاً تصوراً مختلفاً للعلاقة مع الفلسطينيين، أم أن البديل سيظل محصوراً في من يدير المنظومة الأمنية بصورة أفضل؟
والأكثر أهمية أن هذا التداخل السياسي لا يقتصر على أعضاء القائمة، بل يمتد إلى آيزنكوت نفسه. فقد عبّر بوضوح عن رفضه إقامة دولة فلسطينية، ووصف تأييد هذا الخيار بأنه "ضرب من الهلوسة"، كما تحدث عن الفلسطينيين باعتبارهم "أعداء أشداء" لليهود منذ عقود طويلة. ولذلك يصعب التعامل مع مواقفه تجاه القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد تكتيك انتخابي لاستقطاب أصوات من اليمين.
التعليقات (0)