تعلن رواية "عليّ: قصة رجل مستقيم" نفسها، منذ عتباتها الأولى، بوصفها عملاً تخييلياً محضاً، ينتمي إلى مشروع توثيقي واعٍ لذاته: فكلمة الشكر والتصدير تنص صراحة على أن مادة النص منبثقة من هوامش التاريخ ومن أرشيفات محددة، أبرزها مذكرات نجاتي صدقي، وشهادات محمود المغربي، ومقالة غرهرد هارب. هذا الإعلان هو مفتاح تأويلي للنص بأكمله: فحسين ياسين لا يخترع شخصية "عليّ" من العدم، وإنما يعيد تركيبها من سيرة جماعية واقعية لشيوعيين فلسطينيين هاجروا بعد ثورة 1936 عبر شبكة الكومنتيرن إلى موسكو، ثم تطوعوا للقتال في الألوية الأممية بإسبانيا ضد ديكتاتورية فرانكو والنظام الفاشي، بهذا المعنى تُصبح الرواية استكمالاً أدبياً لفصل ظل مغيَّباً في مسار النضال الفلسطيني، وتتحول الكتابة الروائية هنا إلى ردّ اعتبار لرجال طواهم النسيان.
يبني النص مسار "عليّ" على تدرّج نفسي وأيديولوجي دقيق: من الشقاوة الصبيانية العفوية في الريف (سرقة البيض، صيد الأفاعي، الصراع الفطري مع الذئب عبر الكلب مراد) إلى وعي وطني تُفجّره صدمة استشهاد العم يوسف، وصولاً إلى وعي طبقي أممي يكتمل تكوينه في "الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق" بموسكو. الرواية تطرح بذلك أطروحة مركزية: أن الشجاعة الفطرية، إن لم تُصقل بالوعي السياسي، تظل طاقة مهدورة؛ وأن السجن الإنجليزي هو التجربة التي بخوضها تتحوّل الشقاوة إلى نضال منظّم. هذا التدرّج يعكس بأمانة المسار التاريخي الفعلي لكوادر الحزب الشيوعي الفلسطيني: قمع بريطاني مباشر، فانفتاح على شبكة الكومنتيرن، فإيفاد إلى موسكو، فتطوّع في إسبانيا، وهو بالضبط المسار الذي وثّقه نجاتي صدقي في مذكراته.
يمثّل القسم الخاص بإقامة "عليّ" في موسكو أكثر أجزاء الرواية جرأة نقدية. فالنص لا يكتفي برسم الحماسة الأيديولوجية الأولى (تغيير الاسم إلى إبراهيموف، إنشاد نشيد الأممية، صور ستالين المنتشرة، توجيهات الكومنتيرن حول التعاون مع الجامعة الإسلامية)، بل يذهب أبعد من ذلك إلى تفكيك الوهم عبر مصير "أولغا": رفض أطروحتها الأكاديمية، طردها من الحزب لامتناعها عن تقديم نقد ذاتي، انهيارها الصحي والنفسي، ثم اختفاءها المفجع. هذا الخط السردي يمنح الرواية عمقاً تاريخياً نادراً، إذ يستدعي بصدق أدبي واقع النظام الستاليني أواخر الثلاثينيات، ويتقاطع مع ما عبّر عنه لاحقاً بعض الشيوعيين العرب أنفسهم، ومنهم نجاتي صدقي، من خيبة أمل تدريجية من موسكو كـفردوس للفقراء. بهذا المعنى، تتجاوز الرواية الاحتفائية الأيديولوجية الساذجة إلى مساءلة الأممية اليسارية من الداخل، وهو ما يمنحها مصداقية نقدية تفوق الأدب الدعائي التقليدي.
عبر شخصية "الخندرا"، تُقيم الرواية تمييزاً حاداً بين الصهيونية بوصفها مشروعاً استعمارياً استيطانيا وبين اليهود الأمميين الرافضين للاستعمار. مقولتها الساخرة الموجهة لمندوبي "البوعلي تسيون" تختصر الأطروحة النقدية للنص تجاه ادعاء هذه المنظمة الصهيونية الاشتراكية بينما تمارس الإقصاء العرقي والاحتكار الطبقي ضد الفلاحين العرب. ومقتل "الخندرا" لاحقاً برصاص القمع الصهيوني يُرسّخ الفكرة الجوهرية التي طرحناها سابقاً في سياقنا التاريخي: أن المعركة، من منظور هذا الجيل من المناضلين، معركة حرية وعدالة أممية غير قابلة للتجزئة على أساس ديني أو عرقي، وهو بالضبط ما عبّر عنه متطوعون فلسطينيون حقيقيون حين ربطوا بين هزيمة فرانكو وتحرر المغرب العربي وفلسطين معاً.
يُخرج النص المرأة من موقع الهامش إلى مركز الفعل السردي عبر تعدد أصوات نسائية متمايزة: "وفيقة" بحضورها الشعبي التلقائي، و"نبيلة" بوعيها الطبقي والاستعماري، و"سمحا" في مأزقها النفسي أثناء الاختباء، و"أولغا" في مأساتها الأكاديمية والسياسية بموسكو، و"روزة" في إسبانيا. تحويل الفرن الشعبي إلى برلمان نسائي تقنية سردية ذكية تكسر احتكار الخطاب السياسي الرسمي وتمنح النص واقعية نابضة، كما أن مقارنة سمحا بين قسوة الاختباء الاختياري وقسوة السجن الفعلي تضيف بعداً نفسياً دقيقاً نادراً ما يُعنى به أدب المقاومة التقليدي، الذي يميل غالباً إلى تمجيد التضحية دون مساءلة كلفتها الوجدانية اليومية.
اختيار سطح السفينة المتجهة إلى إسبانيا لتكون بؤرة زمنية ثابتة يستدعي منها الاسترجاع الذهني ماضي "عليّ" تجسيد بنيوي لأطروحة الرواية: اللحظة الأممية (السفر نحو إسبانيا) هي التي تُعيد ترتيب المعنى الوطني (الطفولة، الثورة، السجن) وتمنحه اكتمالاً، فالوطن استحقاق مكلف وليس حق موروث.
التعليقات (0)