عند مشاهدة عرض باليه كلاسيكي، يتحرك الراقصون بخطوات صارمة ومنسقة لا يحيد عنها أحد. في عالم الكيمياء، تمثل هذه الخطوات الراقصة الطريقة التقليدية لترابط الذرات من أجل تكوين المادة.
لقرن كامل، كانت القاعدة الذهبية التي تدرس للطلاب في المدارس والجامعات هي أن الروابط التساهمية المشتركة في العناصر الكيميائية تنقسم إلى نوعين واضحين، وهما روابط "سيغما" المباشرة التي تنشأ من تداخل المدارات رأسا برأس لتشكل أساسا قويا للرابطة، وروابط "باي" الجانبية التي تنشأ من تداخل المدارات جنبا إلى جنب لتمنح الرابطة مرونة وقوة إضافية.
لكن، ماذا يحدث عندما تصبح الذرة ثقيلة للغاية لدرجة تجعل الإلكترونات القريبة من نواتها تدور بسرعة هائلة تقترب من سرعة الضوء؟ هنا، تتدخل نظرية النسبية الخاصة لألبرت آينشتاين لتحكم هذا العالم، مسببة تعديلا جوهريا في القواعد الكلاسيكية التي اعتقدنا لعقود أنها ثوابت مطلقة لا تتغير.
هذا ما كشفته دراسة حديثة نشرت في دورية ساينس (Science)، حيث نجح فريق بحثي في تقديم أول دليل تجريبي على تغير طبيعة الرابطة الثلاثية الكلاسيكية في أيون يحتوي على عنصر البزموت الثقيل.
في أيون السيانيد، ترتبط ذرتا الكربون والنيتروجين برابطة ثلاثية مثالية تتكون من رابطة "سيغما" قوية ورابطتين من نوع "باي"، وهو ما يتطابق تماما مع ما نتعلمه في كتب الكيمياء الكلاسيكية. لكن البزموت عنصر مختلف تماما؛ فهو يمتلك 83 بروتونا في نواته، مما يجعله واحدا من أثقل العناصر المستقرة في الجدول الدوري.
يشرح أستاذ الكيمياء في جامعة ولاية واشنطن الأمريكية، كيرك بيترسون، المشارك في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "في العناصر الثقيلة، تتحرك الإلكترونات القريبة من النواة بسرعة تقترب من سرعة الضوء نتيجة الشحنة النووية العالية للغاية، مما يؤدي إلى ظهور تأثيرات النسبية الخاصة بشكل واضح؛ إذ تزداد الكتلة النسبية لهذه الإلكترونات، مما يقلل متوسط نصف قطرها في مدارات معينة. وهذا لا يقلص مدارات الإلكترونات الداخلية فحسب، بل يؤثر أيضا على تلك المشاركة في الترابط الكيميائي".
التعليقات (0)