ثمة فرق كبير بين أن تكون للسفارة أبواب مفتوحة، وأن تكون لها أبواب تُفضي إلى دولة. وبين أن يحضر السفير في المناسبات، وأن تحضر الدولة في وعي الناس ومؤسساتهم وعلاقاتهم. الدبلوماسية، في جوهرها، ليست بروتوكولاً ولا صوراً ولا كثرة لقاءات؛ إنها قبل كل شيء بناء للثقة، وترسيخ للمرجعية، وإدارة ذكية للعلاقات بما يخدم صورة الوطن ومصالحه.
من هذه الزاوية أتابع منذ نحو عام تجربة السفيرة عبير الرمحي، سفيرة دولة فلسطين لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد يكون من الإنصاف أن أقول إنني تعرفت عليها للمرة الأولى في نشاط فلسطيني على الصعيد الدولي في عمل دبلوماسي سابق، ولذلك كنت أعرف فيها منذ البداية نموذجاً مهنياً أعتز به وأفتخر به. وما أراه اليوم في تجربتها سفيرة لفلسطين يؤكد ذلك الانطباع الأول ويمنحه بعداً أكثر عمقاً.
ما يلفت في عمل السفيرة الرمحي أنها لم تتعامل مع السفارة باعتبارها مؤسسة جاهزة تحتاج فقط إلى إدارة يومية، بل تعاملت معها باعتبارها مؤسسة ينبغي أن تستعيد عافيتها المؤسسية ودورها الطبيعي.
وهذا النوع من العمل لا يصنع دائماً أخباراً كبيرة. إعادة ترتيب الإدارة والمال، تنظيم المسؤوليات، معالجة الملفات المتراكمة، تطوير المرافق، إعادة تأهيل القسم القنصلي، تحسين استقبال المواطنين ومتابعة اتصالاتهم وشكاواهم، واستكمال الإجراءات الخاصة بإطلاق منظومة الجواز الفلسطيني البيومتري، كلها تبدو تفاصيل إدارية، لكنها في الحقيقة تشكل الأساس الذي تُبنى عليه أي سفارة محترفة.
فالدولة لا تظهر فقط في القرارات الكبرى؛ أحياناً تظهر في الطريقة التي يُستقبل بها مواطن يحمل جواز سفرها. ومن هنا تبدو إعادة بناء العلاقة مع الجالية واحدة من أهم ملامح التجربة. فالجالية الفلسطينية في الإمارات ليست مجرد عدد من المراجعين الذين يحتاجون إلى خدمات قنصلية، وإنما طاقة وطنية هائلة: رجال أعمال وسيدات أعمال، أكاديميون، مهنيون، مبدعون، شباب، عائلات، ومؤسسات وفعاليات يمكن أن تكون جميعها جسوراً إضافية لفلسطين.
والسفارة التي تقترب من جاليتها، وتستمع إليها، وتفتح معها قنوات تواصل مستمرة، لا تقدم خدمة فقط؛ إنها تعيد تعريف معنى الانتماء الوطني خارج الوطن.
التعليقات (0)