فيما يتعلق بالموقف من الحرب الدائرة حالياً في اليمن، والذي لا أذكر منذ أن وعيت أنه كان "سعيداً" أبداً، هناك من يراها مجرد حرب أهلية وصراعاً على السلطة أو النفوذ أو حتى الموارد، وهناك من يراها حرباً بالوكالة بين معسكرين، معسكر يوالي أمريكا وإسرائيل ومعسكر يوالي إيران ومن يقف معها في مقاومتها للعدوان الصهيوأمريكي عليها.
إذا أردنا أن نفهم حقيقة ما يجري، فلا مفر من أن نعود إلى جذور الأزمة، وهي أزمة قديمة متجددة في تاريخ اليمن المعاصر، منذ أن رسم المستعمرون في رمل العرب حدوداً مزقت شملهم وفرقت جمعهم ونصبت عليهم حكاماً لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة.
أطلت الأزمة برأسها من جديد عندما سعت دول الجوار في موسم الربيع العربي إلى إحباط ثورة أهل اليمن على نظام الطاغية علي عبد الله صالح، وإلى الحيلولة دون قيام نظام بديل يحقق لليمنيين ما يصبون إليه من حرية وكرامة ورخاء، خشية أن يصبح بذلك نموذجاً تتطلع إلى مثله شعوب الأقطار الأخرى في الإقليم.
حينذاك اتفق نظاما الحكم في كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مع الطاغية علي عبد الله صالح على إشعال فتيل حرب أهلية يكون وقودها الشعب اليمني غايتها إثبات أن الاستقرار والسلم الاجتماعي يتعذر في غياب الطاغية، وإقناع الناس أن الحرية والديمقراطية لا يصلحان لهم.
فجندوا الحوثيين وسلحوهم ومولوهم، رغم خلافات قديمة معهم، لقتال التجمع اليمني للإصلاح، لأن هذا الأخير من وجهة نظرهم لم يكن سوى واجهة لجماعة الإخوان المسلمين، التي يُخشى أن تفوز في أي انتخابات حرة ونزيهة يتم تنظيمها فيما لو اكتمل مسار التحول نحو الديمقراطية في اليمن. إلا أن فطنة زعماء التجمع اليمني للإصلاح جعلتهم ينأون بأنفسهم، على الأقل في بداية الأمر، عن المخطط، فاعتزلوا الحرب تجنباً لسفك الدماء، وأحبطوا الخطة السعودية الإماراتية. لا يمكن أن يُفهم من سلوك زعماء الإصلاح في ذلك الوقت إلا أنهم كانوا يدركون ما كان قد أعد لهم ولبلادهم من مكر، ولقد رفضوه حينها، ولا يغير من تلك الحقيقة تبدل حالهم فيما بعد حينما اتخذوا من الرياض ملاذاً لهم وأصبحوا رهينة لدى نظام الحكم هناك.
في نهاية المطاف، تمكن الحوثيون من اكتساح اليمن من شماله إلى وسطه في وقت قياسي. وثبت أن حسابات الإمارات والسعودية كانت خاطئة، وبشكل فاحش. فكل ما حصل هو أن خطتهم مكنت للحوثيين في اليمن، فغدوا حكامه، وتحولوا إلى خصوم لمن حرضهم ومولهم بادئ ذي بدء، وباتوا يوالون إيران ويستقوون بها.
التعليقات (0)