إذا كان الشعب هو المصدر الأعلى للشرعية والتفويض في أي عمل سياسي يُمارس باسمه، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يمثل الشعب، وإنما أيضًا بحدود ما يحق لمن يمثلونه أن يفعلوه باسمه. فالتنظيم السياسي، مهما بلغت مكانته أو امتد تاريخه أو اتسعت قاعدته، يبقى جزءًا من الشعب وليس بديلًا عنه، وتمثيله للقضية لا يعني امتلاكها، كما أن حصوله على التفويض لا يعني انتقال الإرادة الشعبية إليه بصورة نهائية.
هذه الحدود ليست كلها مكتوبة في قانون أو اتفاق، لكنها موجودة في الوعي الوطني، تشكلت عبر التجربة الفلسطينية الطويلة، وعبر ما راكمه المجتمع من إدراك لما يمكن أن يفعله التنظيم باسمه، وما لا يمكن أن يتحول إلى حق دائم له. وليس المقصود أن للشعب موقفًا واحدًا من كل قضية، أو أن الوعي الشعبي كتلة متطابقة، وإنما أن هناك حدودًا أعمق تتصل بحق المجتمع في تقرير مستقبله، وبمصالحه، وبوحدة قضيته، وبحقه في مراجعة من يتحدث باسمه.
ومن هنا تأتي أهمية التنقيب عن هذه الحدود. فالمطلوب ليس اختراع قواعد جديدة تفرض على الحياة السياسية من خارجها، بل الكشف عما استقر في التجربة والوعي الوطني وتحويله إلى قواعد واضحة تحكم العلاقة بين التنظيم والمجتمع. لكل فصيل أن يمتلك رؤيته وأيديولوجيته وبرنامجه، وأن يدافع عنها ويسعى إلى إقناع الناس بها، لكن ليس له أن يحول رؤيته الخاصة إلى إرادة ملزمة لشعب كامل.
المشكلة الفلسطينية لم تكن يومًا في وجود الاختلاف. فالاختلاف جزء طبيعي من السياسة، بل إن غيابه يعني غياب السياسة نفسها. المشكلة تبدأ عندما ينتقل الاختلاف من التنافس بين رؤى متعددة إلى صراع على احتكار تعريف المصلحة الوطنية وامتلاك حق تحديد الاتجاه العام للقضية.
ومع تعمق الخلاف بين القوى السياسية، ولا سيما بين فتح وحماس، لم يعد التباين متعلقًا فقط بالبرامج والوسائل، بل امتد إلى المرجعية ومفهوم الدولة والمقاومة والتسوية وأفق الصراع. وهكذا أخذ الخلاف في بعض مراحله شكلًا يتجاوز التعدد السياسي إلى منطق «أنا أو هو»، وكأن وجود أحد الطرفين لا يكتمل إلا على حساب الآخر.
وهنا يصبح الخطر أكبر من الانقسام نفسه. فعندما تفقد القوى السياسية الإطار الذي ينظم اختلافها، لا يبقى الخلاف مجرد اختلاف، بل يتحول إلى قطيعة، ثم تتحول القطيعة إلى واقع سياسي دائم. ومع الوقت، يصبح المجتمع مضطرًا إلى تحمل نتائج خيارات لم يعد يملك الأدوات الكافية لمراجعتها، بينما يستمر كل طرف في التعامل مع موقعه وكأنه يستمد شرعيته من قدرته على الاستمرار، لا من قابلية تفويضه للمراجعة.
التعليقات (0)