في قلب مخيم النصيرات المكتظ بالأوجاع وسط قطاع غزة، تعالت أنفاس الشباب المثقلة بالإعياء لتعلن عن ولادة إصرار جديد من رحم المعاناة. داخل صالة 'الصخرة' الرياضية التي لم تسلم جدرانها من شظايا الحرب، تحولت زوايا المأساة إلى مسرح للتحمل والمنافسة الرياضية، حيث اجتمع العشرات لإثبات أن الإرادة لا يمكن أن تُهزم تحت الأنقاض.
صرير المعدن المتآكل كان الصوت الطاغي في المكان، حيث تجمهر السكان والنازحون لمتابعة منافسات بطولة محلية في تمرين 'ضغط الصدر'. لم تكن الأجساد المشاركة في كامل لياقتها المعهودة، بل ظهرت عليها بوضوح علامات الهزال ونقص التغذية الحاد، إلا أن العزيمة بقيت الشريان النابض الذي يغذي المتنافسين وسط ركام الدمار.
أفادت مصادر ميدانية بأن الإمكانات داخل القاعة الرياضية كانت شبه معدومة، حيث اعتمد المنظمون على بقايا حديد قديم تم إنقاذه من تحت أنقاض المنازل المدمرة. هذه المعدات التي أعيد تجميعها وصيانتها يدوياً، أصبحت أدوات للمقاومة النفسية، تفي بغرض التدريب والمنافسة في ظل انعدام البدائل الحديثة نتيجة الحصار الخانق.
لم يمنع البؤس المادي المحيط بالمكان الجماهير المحتشدة من الهتاف بحرارة مع كل رفعة ناجحة يقوم بها المتسابقون. وكان كل بار حديدي يُرفع نحو الأعلى يمثل رسالة رمزية تعبر عن رفض السقوط والاستسلام للواقع المفروض، وتحويل الألم اليومي إلى طاقة إيجابية تمنح الأمل لمن فقدوا بيوتهم وممتلكاتهم.
شكلت هذه الفعالية الرياضية نقطة تنفس نادرة للأهالي، حيث تحولت الصالة المتهدمة من أثر للخراب إلى ملتقى اجتماعي يجمع أبناء المخيم بضيوفهم من النازحين. ولم يكن الهدف الأساسي من البطولة هو تحطيم الأرقام القياسية العالمية، بل كان استعادة لطقوس الحياة الطبيعية التي يحاول الاحتلال تغييبها عن المشهد الغزي اليومي.
تؤكد هذه المشاهد القادمة من النصيرات أن محاولات النجاة في قطاع غزة لا تقتصر فقط على البحث عن لقمة العيش أو شربة الماء. إنها تمتد لتشمل تمسك الفلسطيني بحقه في الترفيه والتجمع وممارسة الرياضة، مهما ضاقت المساحات الجغرافية وقلت الحيلة المادية تحت وطأة القصف المستمر.
التعليقات (0)