f 𝕏 W
نتنياهو ليس القصة كلها.. لماذا يخدم اختزال الحرب في رئيس الحكومة سردية الهروب من المساءلة؟

شبكة قدس

سياسة منذ 2 سا 0 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

نتنياهو ليس القصة كلها.. لماذا يخدم اختزال الحرب في رئيس الحكومة سردية الهروب من المساءلة؟

هنا ظهرت رواية تتبناها ماكينات إعلامية ومنصات ومراكز بحثية وتقول إن ما يجري هو في الأساس "مشروع بنيامين نتنياهو" ومعه مجموعة من الوزراء المتطرفين في حكومته وإنهم لا يمثلون "إسرائيل" ومجتمعها بل يمثلون انحرافًا مؤقتًا عن "إسرائيل الحقيقية"

​منذ اليوم الأول للحرب على غزة ارتكزت السردية "الإسرائيلية" على فكرة واضحة: هناك خطر حقيقي في غزة يتهدد "إسرائيل" وما تفعله ليس أكثر من محاولة لاقتلاع هذا الخطر واستعادة الأمن عبر أهداف معلنة وضعتها قيادة الحرب وفي مقدمتها القضاء على حركة حماس واستعادة الأسرى ونزع سلاح القطاع بالكامل. لكن مع مرور الوقت أصبح من الصعب حصر ما يجري في غزة داخل هذا الإطار فالدمار الواسع والنزوح المتكرر والتهجير المستمر حتى اللحظة واستهداف البنية المدنية والإبادة التي طالت الحجر والبشر والشجر جعلت السؤال يتجاوز كيف تقضي "إسرائيل" على حماس إلى سؤال أكثر جوهرية: ماذا تريد "إسرائيل" أن تفعل بغزة؟

​وهنا ظهرت رواية تتبناها ماكينات إعلامية ومنصات ومراكز بحثية وتقول إن ما يجري هو في الأساس "مشروع بنيامين نتنياهو" ومعه مجموعة من الوزراء المتطرفين في حكومته وإنهم لا يمثلون "إسرائيل" ومجتمعها بل يمثلون انحرافًا مؤقتًا عن "إسرائيل الحقيقية". هذه الرواية تحتاج إلى قدر كبير من التدقيق فالإفراط في شخصنة السياسات الراديكالية غالباً ما يكون وسيلة مريحة للهرب من مواجهة البنى التحتية والفكرية التي أنتجت هذه السياسات في المقام الأول. فالشرخ لا يبدأ من القول إن نتنياهو مسؤول عن قرارات حكومته بل عندما يتحول ذلك إلى تفسير شامل للحرب وتصبح القصة كلها: نتنياهو يريد ووزراؤه يريدون وحينها نكون قد اختزلنا دولة ومؤسسات وجيشًا وأحزابًا ومجتمعًا في شخص رئيس الحكومة ليتحول نتنياهو من عنصر في المشهد إلى ستار يحجب المشهد نفسه.

​لا يعني تفكيك هذه السردية تغييب شخصية نتنياهو فالرجل يحمل سمات سيكولوجية خاصة وفكراً أيديولوجياً راسخاً لعبا دورًا محوريًا في تعميق المشهد. فهو يجمع بين براغماتية المناور التي تُحركه غريزة البقاء السياسي الشخصي للهروب من المساءلة وبين عقيدة أيديولوجية تنتمي إلى الصهيونية التعديلية القائمة على فكرة الجدار الحديدي وعدم إمكانية المساومة التاريخية مع الفلسطينيين فضلاً عن عقدة الإرث العائلي والقومي المتطرف التي ترى الصراع كمعركة وجودية دائمة. لكن خطورة الاكتفاء بتحليل شخصية الرجل وأيديولوجيته تكمن في فصله عن بيئته ومحيطه فنتنياهو لم يفرض نفسه من الفراغ بل نما وتغذى في بيئة ومناخ عام جرى التأسيس لهما على مدى عقود. فالقرارات الاستراتيجية الكبرى لا تتخذها شخصية واحدة بل تُصاغ داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية مثل الجيش والشاباك والموساد التي تمتلك عقائد راسخة ومقاربات أمنية تسبق نتنياهو وتستمر بعده. كما أن المناخ المجتمعي شهد انزياحاً تاماً نحو القومية واليمين الديني وصعود التيار الاستيطاني كجزء أصيل من نسيج المؤسسات الإدارية والعسكرية والتعليمية. ​ولعل التعبير الأوضح عن شموليّة هذا التحول المؤسسي هو عدم اقتصاره على غزة وحدها؛ بل تتجلى أبعاده في التوسع الاستيطاني المتسارع في الضفة الغربية وتصاعد اعتداءات المستوطنين المسلحين وتهجير التجمعات الرعوية تحت رعاية وحماية رسمية، إلى جانب تفشي أنظمة وقوانين الطوارئ والملاحقات السياسية والعنصرية المتصاعدة ضد الفلسطينيين في الداخل لمجرد التعبير عن الرأي أو التعاطف الإنساني. هذه الممارسات المتوازية تثبت أننا أمام مشروع منظومة متكاملة لفرض السيطرة وإعادة تشكيل أشكال الصراع في كافة الجغرافيات.

​غير أن هذا التماسك المؤسسي واليميني لا يعني أن المجتمع "الإسرائيلي" كتلة صماء بلا تناقضات فالإجماع الموجود هو إجماع على العناوين الأمنية الفضفاضة بينما يتآكل هذا الإجماع تحت وطأة الانقسامات الاجتماعية العميقة حول كلفة الحرب وملف الأسرى وشكل الدولة وتصاعد أزمة الخدمة العسكرية للحريديم وهي تناقضات تدل على أن المنظومة نفسها تحمل في أحشائها بذور أزمة هيكلية قد تهدد استقرارها مستقبلاً. علاوة على ذلك فإن هذه المنظومة "الإسرائيلية" لا تعمل في معزل عن العالم بل تستند إلى غطاء دولي وإستراتيجي غربي تقوده الولايات المتحدة يمنحها هامش المناورة والحماية السياسية والعسكرية لاستمرار هذه السياسات.

​وفي المقابل فإن هذه الآلة المؤسسية لا تتحرك في طريق مفتوح بحتمية مطلقة بل تصطدم جداراً بجدار بواقع الميدان وبالتالي عدم التمكن من الحسم العسكري وفكرة النصر المطلق حيث يشكل الصمود الشعبي في غزة العائق الأساسي الذي يربك حسابات هذه المنظومة ويفشل قدرتها على تحويل الفائض العسكري إلى حسم سياسي ناجز.

إن أخطر ما في اختزال الحرب في شخص واحد هو خلق فخ "إسرائيل الأخرى" الذي يسمح بإنتاج صورة مريحة تعفي المنظومة من المساءلة وتخدم سردية دولية تفترض أن غياب نتنياهو سيعيد الأوضاع تلقائياً إلى مسار حكم أكثر اعتدالاً. وهذا الإسقاط يجعل الجيش مجرد منفذ للأوامر والمؤسسات خارج دائرة المسؤولية والمجتمع مجرد ضحية لطبقة سياسية حتمية. والمفارقة أن رواية نتنياهو وحده لم تبقَ داخل الدوائر الغربية أو "الإسرائيلية" بل تلقفها جزء واسع من الإعلام العربي وأعاد إنتاجها باعتبارها تفسيرًا مكتملًا بينما الانتقاد الحقيقي لا يجب أن يكتفي بالإشارة إلى تطرف نتنياهو وحكومته بل بإجابة الأسئلة الكبرى حول عقيدة الجيش والتحولات الديمغرافية والأحزاب والرؤية السياسية الشاملة التي لا ترتبط بشخص بقدر ما ترتبط بمنظومة كاملة.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من شبكة قدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)