الكاتب: د. باسم خضر التميمي دكتوراه في العلوم السياسية
في ظل انشغال المنظومة الدولية بتبعات التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة، تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة نمطاً متسارعاً من سياسات فرض الأمر الواقع وحسم الصراع جغرافياً وديمغرافياً. ولم يعد الاستيطان في المنظور التحليلي مجرد توسع عمراني خلف جدران إسمنتية، بل استحال استراتيجية سيادية مكثفة للضم الفعلي وتغيير الطابع القانوني للضفة الغربية؛ وتبرز قرية المغير (شمال شرق رام الله) كنموذج تطبيقي صارخ يختزل آليات التهجير القسري الصامت، والمنهج الإحلالي الذي يهدد البنية الوجودية للريف الفلسطيني ككل.
شهدت البيئة السياسية والقانونية للمشروع الاستيطاني تحولاً جوهرياً، عقب نقل الصلاحيات الإدارية والتشريعية في الضفة الغربية المحتلة إلى مديرية الاستيطان في وزارة الأمن، والتي يتولاها الوزير بتسلئيل سموتريتش بصلاحيات حكومية مطلقة. ولم يكن هذا الإجراء مجرد تعديل بيروقراطي، بل مَثّل إعلاناً سياسياً بإنهاء ولاية الحكم العسكري المؤقت، والانتقال الفعلي نحو "الضم الإداري والمؤسسي.
هذه المأسسة الحكومية وفرت غطاءً قانونياً وتشريعياً لشرعنة البؤر الاستيطانية الرعوية والعشوائية، فضلاً عن دمج المجموعات الاستيطانية المسلحة ضمن منظومة أمنية رسمية تُعرف بـ "كتائب الدفاع الإقليمي" و"فرق التأهب المحلية". وبذلك، تحول عنف المستوطنين من اعتداءات عشوائية إلى أدوات تنفيذية ممنهجة تتحرك بغطاء سياسي وحماية عسكرية مطلقة لفرض وقائع جيوسياسية جديدة على الأرض.
تكتسب قرية "المغير" أهمية فائقة في الجغرافيا السياسية الفلسطينية؛ حيث تربض فوق المرتفعات الشرقية لمحافظة رام الله، مشكّلةً حلقة الوصل الحيوية بين وسط الضفة الغربية ومحيط الأغوار عبر شبكة محاور "خط ألون" الاستيطاني. وتهدف المخططات الإسرائيلية من وراء استهداف هذه المنطقة الحيوية إلى بتر التواصل الجغرافي الفلسطيني، وتحويل البلدات العربية إلى كانتونات مخنوقة تفتقر لأدنى مقومات الامتداد الإقليمي، بما يخدم استراتيجية الفصل العنصري والتقطيع الممنهج.
وتجسد المؤشرات الميدانية حجم هذا الانكماش؛ إذ تراجعت مساحة الأراضي المتاحة لنمو أهالي القرية واستخدامهم الزراعي والرعوي من 45 ألف دونم (المساحة التاريخية الإجمالية) إلى نحو 9 آلاف دونم فقط حالياً. وجاء هذا التمدد القسري عبر سلسلة من الأوامر العسكرية القاضية بإعلان "المناطق المغلقة"، ومصادرة الأراضي لصالح شبكة من البؤر الاستيطانية والمستوطنات الرعوية التي تطوّق القرية من جهاتها كافة، لإتمام عملية الهيمنة المكانية التامة.
التعليقات (0)