المأزق الفلسطيني ومعضلات التغيير، عنوانٌ مشتقٌ من ورشتين عُقدتا في الأيام القليلة الماضية، شاركتُ فيهما مع نخبة من الكتّاب والباحثين والسياسيين؛ عُقدت الأولى في إسطنبول، بدعوة من مركزي كارتر ومسارات، وحملت عنوان "حول معضلات التغيير في النظام السياسي الفلسطيني وآفاق تبلور تيارات جديدة". والثانية نظمها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، عبر الفضاء الإلكتروني، عنوانها "الخروج من المأزق الفلسطيني". وقد جمع بينهما الاعتراف بأن ثمة مأزقاً فلسطينيّاً حاول المشاركون تبيان ملامحه، والبحث في كيفية الخروج منه، وهي سابقة لم نتعوّد عليها، إذ لم يسجل على قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية بمختلف فصائلها، وتعدد مراحلها، وفي أحلك ظروفها، أن اعترفت بمواجهتها مأزقاً، ولم ينجز أيٌّ من الفصائل والتيارات مراجعة نقدية حقيقية لمسيرتها أمام منتسبيها وجمهورها.
كان محور ورشة مركز كارتر دراسة مستفيضة أعدها الباحث حسن أيوب، ونخبة من الباحثين، ونوقشت فصولها الخمسة في عدة ندوات في الضفة الغربية وغزّة، وشكّل لقاء إسطنبول امتداداً لهذه الحوارات، تمهيداً للوصول إلى خلاصاتها النهائية. وتدور فرضيتها الرئيسة حول سُبل كسر احتكار حركتي حماس وفتح النظام السياسي الفلسطيني، عبر البحث عن تيار ثالث قد يُحدِث تأثيراً في المعادلة القائمة. تميل الدراسة إلى القول إن "اليسار (الفلسطيني) هو الذي يملك أرضية فكرية وبرامجية لفكرة التيار الثالث"، على الرغم من أنه "لا يملك القاعدة الاجتماعية، والتماسك التنظيمي، ليكون النواة الوحيدة". ويبدو أن مصدر هذا الاستنتاج أن اليسار يمتلك نظريّاً خلفية فكرية مختلفة عن كلا الاتجاهين، ولم ينتبه النص إلى أن اليسار يعاني من الأزمة نفسها التي تعانيها الحركة الوطنية الفلسطينية، وهو جزء من مشكلتها، وقدرته التمثيلية محدودة، وقد فشل في الاتحاد على برنامج يضم طيفه السياسي والفكري، ومعظم فصائله غطّت قرارات السلطة الفلسطينية وعجزها، ومنحت قيادة منظمة التحرير الشرعية اللازمة، وإن بدت لفظياً في موقع المعارضة.
مياه كثيرة جرت في النهر منذ البدء بالعمل على الدراسة التي امتدت أكثر من ثلاثة أعوام، ولعل المتغيّرات التي ألمّت بالساحة الفلسطينية خلال فترة إعداد الدراسة منذ عملية طوفان الأقصى وحرب الإبادة الجماعية، قد حوّلت سؤال العمل على إيجاد تيار ثالث يكسر الاحتكار المهيمن على الحالة السياسية إلى فرضية أكثر شمولاً: كيف يمكن تجديد الحركة الوطنية الفلسطينية أو إعادة بنائها؟ أغلب فصائل الحركة الوطنية (مع الاحترام والتقدير لتاريخها المجيد) تراجع دورها، وضعف تأثيرها، وباتت جزءاً من المشكلة وليست جزءاً من الحل، الأمر الذي يضعنا أمام مرحلة جديدة تتطلب تجديد المشروع الوطني ببرامجه وأدواته.
وذهبت ورشة مركز الزيتونة باتجاه البحث في المأزق الفلسطيني الحالي، وكيفية الخروج منه؛ إذ شاركت فيها عشر شخصيات لها إسهاماتها المعتبرة في الشأن الفلسطيني، واختزل نصفها المأزق الفلسطيني في مسألة الانتخابات، والمشاركة فيها، وشروط عقدها وضمان نزاهتها، ورأى بعضهم أنها قد تكون بوابة للتغيير. وهو ما يعبّر بجلاء عن عمق الأزمة في الساحة الفلسطينية، وهذا ما سيحاول المقال التطرق إليه بإيجاز، على أمل العودة إليه في سياقات لاحقة.
في هذه المرحلة، نحصد الجوانب الإيجابية لمعركة طوفان الأقصى، منها مثلًا الصمود الأسطوري، والحراك الشعبي في الخارج، أما التداعيات السلبية فتتمثل في الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال على قطاع غزّة، والوضع غير الإنساني، وتوسّع الاحتلال، ومخاطر التهجير، وصولاً إلى الوصاية السياسية والإدارية والقانونية والأمنية لمجلس السلام، التي كرست فصل غزة عن الضفة الغربية، وأدت إلى موافقة (فصائل المقاومة) على نقاط نيكولا ملادينوف الخمس عشرة، بما فيها مبدأ نزع سلاح المقاومة، وهو ما بُرِّر بقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، ومحاولة وقف حرب الإبادة المستمرّة، وما يتطلبه ذلك من تغيير في برامجها وأدواتها لمنع تصفيتها وعزلها، وسعيها إلى البقاء بوصفها حركة سياسية اجتماعية، وتحوّل أولوياتها إلى المساهمة في البناء وإعادة الإعمار، والصمود ضد التهجير.
في الضفة الغربية، تغوّل الاستيطان، وأصبح الضم واقعًا، وازدادت مخاطر التهجير، وتعمّق الانقسام الفلسطيني بعد موقف السلطة السلبي، وتخليها عن دورها خلال حرب الإبادة الجماعية، وتراجع دور السلطة الفلسطينية التي باتت سلطة لإدارة السكان تحت الاحتلال، ومرتهنة لشروطه وإرادته، وسط مخاوف جدّية من تفكيك الجغرافية الفلسطينية.
التعليقات (0)