لم تعد أكياس النايلون البالية وحقائب الظهر الممزقة مجرد أمتعة، بل تحولت إلى الهوية الوحيدة المتبقية لعشرات العائلات في قطاع غزة. فجأة، وبلا مقدمات، يصدح صوت إنذار يحمل عبارة واحدة مرعبة: "أخلوا المنطقة فوراً".
ولم تكد مدينة غزة تلملم صدمة إشارات الإخلاء القاسية الجديدة التي ضربت محيط مجمع الشفاء الطبي ومخيم الشاطئ، حتى تلقى سكان مخيم النصيرات وسط القطاع إنذاراً عاجلاً يستهدف منزلاً لعائلة أبو دلال ومحيط مجمعه التجاري الشهير.
إنها ليست مجرد أوامر مغادرة عادية، بل هي جولة جديدة من جحيم "الشتات المتكرر"، حيث يُطلب من إنسان أنهكته الحرب أن يحمل عمره وذكرياته على كاهله، ويمضي إلى مجهول لا يضمن فيه حتى خيمة تقيه حر الصيف أو برد الشتاء. إقرأ أيضاً "غزة مُباشر".. الاحتلال يُواصل خرق الهدنة للشهر الـ 11 تواليا
تتضاعف حالة الهلع الشديد وخوف المواطنين مع كل إنذار جديد يضرب أحياءً مأهولة أو محيط مرافق حيوية، ليجد الناس أنفسهم محاصرين بسؤال المرارة المتكرر: أين نذهب؟ فمراكز الإيواء المدرسية المدمرة وخيام البلاستيك المهترئة ممتلئة عن أخبارها بل وتتعرض للاستهداف والتقليص المستمر، ولم تعد هناك بقعة آمنة تحتمل المزيد من الأجساد المتعبة.
هكذا يواجه أهالي قطاع غزة إنذارات الإخلاءات الجديدة، مصيرهم بلا مأوى، ليقضي العشرات ليلتهم تحت السماء وفي العراء بين الركام والشارع، في انتظار موجة نزوح أخرى قد لا تترك لهم متسَعاً حتى لالتقاط الانفاس.
تتخذ موجات الإخلاء الأخيرة طابعاً استراتيجيًا يمعن في تضييق الخناق على ما تبقى من مساحات آمنة أو شبه مأهولة، بالقطاع المدمر.
التعليقات (0)