كان لجدران السجن في سوريا ظلال مديدة وكثيفة غطَّت، طوال خمسة عقود، مساحات واسعة من حياة السوريين. لم تكن الجدران خرسانة صامتة، بل كائنا خفيا ينام معهم في البيوت، ويطوف بالأزقة، ويتسرّب إلى موائد الغداء حيث الكراسي الفارغة تصرخ بذكرى أصحابها المغيبين، وتترك غصة لا تغادر أرواح الأسر التي أنهكها الانتظار.
ولطول ما جثم الاعتقال على مصائر السوريين، تحوّل إلى المعلم الأكثر وضوحاً لدولة القمع; فتغلغل في الرواية والشعر والمذكرات، حتى كاد لا يخلو عمل أدبي معاصر من ظلال هذا الوحش.
حين نقرأ ما كتبه السوريون عن السجون، فإننا لا نطالع تفاصيل الزنزانة المظلمة فحسب، بل ندخل إلى سوريا نفسها؛ حيث تتحول الكتابة من مجرد تدوين للوجع، إلى فعل استرداد لذاكرة حاول النظام احتكارها، وإعادة لأصوات وأجساد حُرمت حق الحياة في الضوء.
أبرز ما يلمسه قارئ الأدب السجني السوري، هو ذلك الخيط الرفيع الممتد بين قسوة الزنزانة وقسوة الحياة خارجها؛ فالخوف الذي يسكن الشارع يتفوق أحيانا على خوف المعتقل خلف القضبان.
في روايتها "الخائفون "، تلامس الأديبة ديمة ونوس هذا الوجدان الخفي؛ فالخوف في الشارع يترصد الإنسان حتى يغدو السجن نفسه خلاصاً من جحيم الانتظار. تكتب ونوس على لسان بطلتها سليمى:
"انتظار الخوف أصعب من الخوف ذاته. السجن أسهل من الخوف منه " بهذه المعادلة النفسية، نجحت السلطة في تعميم منطق السجن؛ ليصبح كل مواطن رقيبا على ذاته، محاصرا بأسوار وهمية قبل أن تمتد إليه يد السجان
التعليقات (0)