استكمالاً لما فككناه في المقالات السابقة من هذه السلسلة حول الواقع المعقد للأخصائي النفسي والاجتماعي في قطاع غزة ، والخلل البنيوي في توزيع ميزانيات الدعم النفسي والإغاثي، ننتقل اليوم لمناقشة آفاقٍ جديدة تكسر جدار الفرص الشحيحة والعقود المؤقتة. أمام هذا الواقع القاسي وسوق العمل المحلي المحاصر، لم تعد ممارسة المهنة محصورة بين جدران عيادة تقليدية أو مرهونة بانتظار فرصة عمل طارئة في مؤسسة أهلية؛ إذ يشهد العالم الافتراضي تحولاً هائلاً ونمواً متسارعاً في الطلب على خدمات الدعم النفسي والإرشاد الأسري والتطوير الذاتي عن بُعد، وإن "الرقمية" تتيح للأخصائي في غزة تجاوز الحدود الجغرافية المحاصرة، والوصول إلى أسواق عربية وإقليمية واسعة لبناء مسار مهني مستقل يضمن له دخلاً مادياً عادلاً واستقراراً معيشياً بالعملة الصعبة. ويمتلك الأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة مؤهلات علمية وخبرات ميدانية عميقة تجعله منافساً قادراً على دخول سوق الرعاية النفسية والخدمات الاجتماعية عن بُعد، ولا يتوقف هذا الأفق عند الاستشارات الفردية المباشرة عبر الشاشات فحسب، بل يمتد ليشمل مجالات متنوعة في العمل الحر، مثل: صياغة وتدقيق المحتوى النفسي والتوعوي للمنصات الرقمية والمجلات العربية، وتصميم الحقائب التدريبية وأدوات الدعم النفسي للمؤسسات الإقليمية، وتفريغ وتحليل المقابلات البحثية والدراسات الكيفية لصالح المراكز العلمية؛ وهذه الفرص تضمن للأخصائي تدفقاً منتظماً للعمل ومقابلاً مجزياً يحميه من الاستغلال الميداني. لكن الانتقال نحو هذا الأفق يفرض التعامل بشفافية مع التحديات اللوجستية والفنية التي تفرضها بيئة غزة؛ وفي مقدمتها انقطاع التيار الكهربائي والإنترنت، والقيود المشددة على التحويلات المالية، وإن تذليل هذه العقبات يتطلب من الأخصائي اعتماد حلول مرنة، مثل الاستفادة من مساحات العمل المشتركة، والتركيز على الخدمات غير المتزامنة (مثل الاستشارات النصية أو إعداد المواد العلمية) التي لا تتطلب اتصالاً مرئياً مستمراً. كما يتطلب هذا التحول استثماراً واعياً في تطوير المهارات الذاتية؛ بدءاً من التأهيل الفني والأخلاقي لمعايير حماية سرية بيانات المستفيدين وتأمين بيئة اتصال آمنة، مروراً بالتسويق الشخصي وصناعة الهوية المهنية على المنصات الاحترافية مثل (LinkedIn) لتصدير الخبرة والكفاءة، وصولاً إلى إتقان أدوات التواصل الرقمي. ولا يكتمل هذا التحول الرقمي دون معالجة ثلاثية أعمق تمس صلب الواقع الغزي؛ تبدأ من التغلب على الحظر البنكي والعزل المالي عبر التدريب على المحافظ الرقمية والحلول المالية المتاحة لضمان وصول مستحقات الخريج بلا تجميد، مروراً بالالتزام بـ "المزاولة" والتراخيص والأخلاقيات المهنية العابرة للحدود التي تتطلبها المنصات الإقليمية، وصولاً إلى توفير برامج إشراف ورعاية نفسية ذاتية للأخصائي نفسه، ليظل قادراً على العطاء والدعم وهو يعيش تحت وطأة الظروف الميدانية الصعبة ذاتها. وكي لا يُترك الخريج وحده في هذه الرحلة، يجب على الجامعات والمؤسسات الأهلية والشبكات التنموية لعب دور مباشر في تمهيد الطريق؛ من خلال إدراج مهارات "الصحة النفسية الرقمية" والعمل الحر ضمن المناهج الدراسية الجامعية، وإطلاق حاضنات ومسرعات أعمال تستهدف الخريجين النفسيين والاجتماعيين؛ توفر لهم التدريب التقني، والتجهيزات اللوجستية (كالكهرباء البديلة والإنترنت المستقر)، والتوجيه القانوني والمالي للانطلاق بقوة في سوق العمل الحر، برعاية وحماية رسمية تتضمن تطوير السياسات والقوانين وسبل المتابعة في حال تعرضهم لأي استغلال أو إهدار للحقوق. إن التوجه نحو الاستشارات الرقمية لا يعني التخلي عن القضية المجتمعية والخدمة الميدانية في غزة، بل هو وسيلة لتحقيق الاستقلال المالي والتمكين الذاتي للأخصائي؛ فعندما يتخلص المختص من ضغط الحاجة المادية والاستغلال التشغيلي، يصبح أكثر قدرة على العطاء والإبداع، وتقديم الدعم لمجتمعه بصلابة وكرامة، كما يجب أن يتزامن ذلك مع التوجه لخلق فرص عمل في كل الميادين التي يعمل فيها الأفراد والجماعات؛ فوجود الأخصائي بتدخلاته المهنية يساهم في تجسير العمل وحفظ توازن الإنسان في عمله، ومساعدته في مواجهة المشكلات الاجتماعية والنفسية بما يحقق السلامة المهنية الشاملة. أخيراً، إن وجود الأخصائي يمثل تحصيناً للفرد والجماعة والمجتمع؛ بما يحقق التنمية المستدامة، ويعزز العملية الإنتاجية، ويُجوّد الأداء المهني العام.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
التعليقات (0)