f 𝕏 W
من إدارة الصراع إلى حلّه: عندما تصبح للدبلوماسية تبعات

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

من إدارة الصراع إلى حلّه: عندما تصبح للدبلوماسية تبعات

الأربعاء 09 سبتمبر 2026 9:11 صباحًا - بتوقيت القدس

يستحق التحرك الدولي الجديد بشأن التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية أن يُقرأ بأبعد من أثره الاقتصادي المباشر. فالقضية ليست فقط في حجم التجارة التي ستتأثر، بل في المبدأ السياسي الذي يمكن أن يؤسس له هذا التحرك: الانتقال من دبلوماسية تدير الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى دبلوماسية تحاول التأثير في البُنى التي تعيد إنتاجه.في الثامن من أيلول، صدر بيان مشترك عن وزراء خارجية اثنتي عشرة دولة هي: كندا، الدنمارك، فنلندا، فرنسا، آيسلندا، إيرلندا، النرويج، بولندا، البرتغال، إسبانيا، السويد والمملكة المتحدة. وأكدت هذه الدول نيتها، وفق إجراءاتها الوطنية، فرض قيود وطنية و/أو دعم قيود أوروبية على التجارة في البضائع المرتبطة بالمستوطنات غير القانونية بموجب القانون الدولي، أو أنها تدرس بجدية هذه الإجراءات وغيرها.والأهم أن المملكة المتحدة وفرنسا وكندا أعلنت موقف رسمي أنها ستمضي في إجراءات وطنية لحظر التجارة في بضائع المستوطنات، في الوقت الذي أشار فيه البيان إلى الخطوات التي سبق أن اتخذتها إيرلندا وإسبانيا وهولندا والنرويج وبلجيكا.هذه التفاصيل مهمة؛ لأنها تشير إلى أن المسألة لم تعد موقف دولة منفردة، بل بداية تشكّل اتجاه دولي أوسع يمكن، إذا تطور، أن ينقل مبدأ التمايز من الموقف القانوني إلى الممارسة الاقتصادية والدبلوماسية.على مدى عقود، عملت الدبلوماسية الدولية تجاه فلسطين إلى حد كبير ضمن منطق إدارة الصراع. توسعت المستوطنات، فصدرت الإدانات. تصاعد إرهاب المستوطنين، فجاءت بيانات القلق. تآكل التواصل الجغرافي الفلسطيني، فكررت الحكومات تمسكها بحل الدولتين. بقي الخطاب الدولي متماسكاً نسبياً، بينما تغير الواقع على الأرض جذرياً.في أدبيات حل الصراعات، هناك فرق جوهري بين إدارة الصراع وحلّه. إدارة الصراع تسعى إلى احتواء التوتر ومنع التصعيد، أما حل الصراع فيتطلب معالجة الأسباب والبُنى والمصالح واختلالات القوة التي تسمح باستمراره وإعادة إنتاجه. ومن هنا تكتسب الإجراءات الجديدة أهميتها. فقد يكون أثر حظر بضائع المستوطنات الاقتصادي محدوداً في البداية، لكن قيمته السياسية تكمن في الانتقال من مجرد وصف الاستيطان بأنه غير قانوني إلى ربط استمراره بتبعات عملية.الدبلوماسية ليست إقناعاً وحواراً ووساطة فقط؛ الدبلوماسية أيضاً نفوذ وحوافز وتبعات. وعندما تستمر سياسة معينة لعقود رغم مئات الإدانات، يصبح السؤال مشروعاً: هل المشكلة في غياب الموقف الدولي، أم في غياب النتائج المترتبة على انتهاكه؟ وتبرز هنا أهمية مبدأ التمايز. فالإجراءات المتعلقة بمنتجات المستوطنات لا ينبغي اختزالها باعتبارها عقوبات ضد إسرائيل، وإنما هي تمييز قانوني وسياسي بين دولة إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ورفض للتعامل مع المستوطنات باعتبارها جزءاً طبيعياً من العلاقات الاقتصادية الدولية.قرار مجلس الأمن 2334 أكد ضرورة التمييز في التعاملات ذات الصلة، بين إقليم دولة إسرائيل والأراضي المحتلة منذ عام 1967. كما عززت فتوى محكمة العدل الدولية لعام 2024 الإطار القانوني المتعلق بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره.وهنا ينتقل القانون الدولي من النص إلى السياسة. فالقانون لا يكتسب قيمته فقط عندما تستشهد به البيانات الرسمية، بل عندما ينعكس على التجارة والاستثمار والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية. ويقدم مشروع E1 الاستيطاني نموذجاً صارخاً لهذا التناقض. فالبيان نفسه ربط بين التحرك الجديد والتوسع الاستيطاني وارهاب المستوطنين، وأشار تحديداً إلى قرار طرح عطاءات مشروع E1 باعتباره تطوراً غير مقبول يهدد إمكانية حل الدولتين.ولا يمكن للدول أن تتمسك نظرياً بدولة فلسطينية قابلة للحياة بينما تسمح عملياً باستمرار البُنى التي تجعل قيامها أقل قابلية للتحقق يوماً بعد يوم.لا يمكن الاعتراف بالدولة الفلسطينية سياسياً، ثم السماح باختفاء مقوماتها جغرافياً. وهذه المسألة تكتسب أهمية أكبر مع الزخم الدولي المتعلق بالاعتراف بدولة فلسطين. فالاعتراف مهم قانونياً وسياسياً ودبلوماسياً، لكنه لا ينبغي أن يمثل نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة منه. والسؤال الذي يجب أن يلي الاعتراف هو: كيف نحمي الدولة التي جرى الاعتراف بها؟ما قيمة الاعتراف إذا استمر تآكل الأرض ومصادرتها وتقطيع التواصل الجغرافي؟ وما معنى الدفاع عن حل الدولتين إذا ظل الاستيطان والضم الفعلي والتهجير دون تبعات؟لذلك ينبغي ربط الاعتراف بسياسة دولية متكاملة تشمل التمايز بين إسرائيل والأرض المحتلة، وحماية المؤسسات الفلسطينية، والحفاظ على التواصل الجغرافي، ومساءلة ارهاب المستوطنين، وتقييد الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات، بالتوازي مع توفير حوافز حقيقية لمسار سياسي ينهي الاحتلال ويجسد الدولة الفلسطينية.الهدف ليس العقاب من أجل العقاب، وإنما تغيير بنية الحوافز والتكاليف التي تسمح باستمرار الوضع القائم. وهذا ليس خروجاً عن الدبلوماسية، بل استعادة لوظيفتها.يمكن اختصار المعضلة الدولية اليوم بثلاث معادلات: الاعتراف دون تنفيذ قد يبقى رمزياً، والإدانة دون تبعات تتحول إلى إدارة للصراع، والقانون الدولي دون إنفاذ يخاطر بأن يصبح مجرد توثيق للانتهاكات.الاختبار الحقيقي للخطوات الجديدة لن يكون فقط في عدد المنتجات التي ستُمنع من دخول الأسواق، بل فيما إذا كان موقف الدول الاثنتي عشرة سيتحول إلى كتلة سياسية أوسع، وما إذا كانت المبادرات الوطنية ستتطور إلى سياسة أوروبية ودولية منسقة تربط بين الاعتراف والتمايز والمساءلة والحوافز السياسية.فحل الصراعات، في جوهره، لا يعني جعل الصراع أكثر قابلية للإدارة، وإنما تغيير الظروف التي تعيد إنتاجه. وإذا استمر التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والتهجير والضم الفعلي دون تكلفة سياسية أو اقتصادية ذات معنى، سيجد المجتمع الدولي نفسه أمام مفارقة خطيرة: يدير اختفاء حل الدولتين بينما يواصل إعلان التزامه به.الدبلوماسية لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدر، وإنما بقدرتها على التأثير في السلوك وتغيير الواقع وفتح الطريق أمام الحل السياسي. لقد آن الأوان للانتقال من البيانات إلى صناعة السياسة، ومن الاعتراف إلى التجسيد، ومن إدارة الصراع إلى حلّه.

من إدارة الصراع إلى حلّه: عندما تصبح للدبلوماسية تبعات

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)