الأربعاء 09 سبتمبر 2026 9:09 صباحًا - بتوقيت القدس
لم يعد الحديث عن مستقبل إسرائيل، بعد حرب غزة وما خلفته من تحولات سياسية وأخلاقية عميقة، حكرًا على الفلسطينيين والعرب أو خصوم المشروع الصهيوني. فقد أخذ عدد متزايد من المفكرين والأكاديميين الغربيين، وكذلك بعض الحاخامات والمثقفين اليهود، يطرحون أسئلة غير مسبوقة حول قدرة إسرائيل على الاستمرار بصورتها الحالية إذا ظلت أسيرة مشروع التوسع والاستيطان ورفض الحقوق الوطنية الفلسطينية.ومن أبرز هذه الأصوات البروفيسور الأمريكي اليهودي جيفري ساكس، أستاذ الاقتصاد والتنمية المستدامة في جامعة كولومبيا، الذي قدم قراءة لافتة لمستقبل إسرائيل ومشروع ما يسمى بـ "إسرائيل الكبرى". وخلاصة رؤيته أن المشكلة لم تعد حربًا في غزة أو مواجهة عسكرية عابرة، وإنما مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا يسعى إلى فرض السيطرة الإسرائيلية على كامل فلسطين التاريخية، ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة.ويرى ساكس أن هذا المشروع، بدل أن يحمي إسرائيل، قد يقود إلى نهاية صيغتها السياسية الحالية؛ لأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع إلغاء شعب آخر أو محو هويته وذاكرته وحقوقه التاريخية.وهنا تكمن المعضلة الكبرى: هناك شعبان يعيشان بين البحر والنهر، ولا يمكن الاحتفاظ بالأرض كلها مع منح الحقوق السياسية الكاملة لشعب وحرمان الشعب الآخر منها إلى الأبد. ولذلك فإن مشروع "إسرائيل الكبرى" يحمل في داخله تناقضًا يصعب استمراره تاريخيًا وأخلاقيًا وسياسيًا.اليهودية والصهيونية.. ليستا شيئًا واحدًاواللافت أن النقاش لم يعد يدور خارج المجتمع اليهودي وحده. فقد بدأت أصوات حاخامية ويهودية، في إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا، تحذر من الفكر الصهيوني القومي المتطرف الذي يمثله نتنياهو وغلاة المستوطنين والتيارات الدينية اليمينية، وترفض توظيف اليهودية لتبرير الاستيطان والعنف والتهجير.هذه الأصوات تحاول التمييز بين اليهودية كدين وتراث أخلاقي وروحي، وبين الصهيونية المتطرفة بوصفها أيديولوجيا قومية ارتبطت، في بعض تجلياتها، بمشاريع السيطرة والاستيطان وإقصاء الفلسطينيين.وقد لمستُ ذلك بنفسي خلال سنوات إقامتي الطويلة في الولايات المتحدة، حيث كانت لي صداقات وحوارات وعلاقات مع العديد من اليهود، سواء من المحافظين أو الليبراليين واليساريين. ولم أجد لدى كثير منهم تلك النظرة الصهيونية المتطرفة التي تتعامل مع الفلسطيني باعتباره عائقًا ينبغي التخلص منه.كان كثير ممن عرفتهم يؤمنون بإمكانية التعايش مع الفلسطينيين، ويرفضون منطق شطب الآخر الفلسطيني، مسلمًا كان أو مسيحيًا، كما يرفضون تحويل اليهودية إلى غطاء لمشروع استعماري قائم على الاستحواذ على الأرض وإنكار حقوق أهلها.ومن خلال هذه التجربة أدركت أن الخلاف الحقيقي ليس بين الفلسطينيين واليهود كأتباع أديان، وإنما بين مشروعين: مشروع يقوم على الهيمنة والإقصاء، وآخر يؤمن بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا بالعدل والاعتراف المتبادل.إن فكرة العيش المشترك ليست خيالًا سياسيًا. فقد عاش اليهود قرونًا طويلة في المجتمعات العربية والإسلامية، من المغرب والأندلس إلى مصر والعراق واليمن وبلاد الشام، إلى جانب المسلمين والمسيحيين، قبل ظهور الصهيونية السياسية الحديثة.وبالطبع لم يكن التاريخ خاليًا من التوترات، لكن العلاقة لم تكن في جوهرها حربًا دينية وجودية دائمة. عاش اليهود والعرب في مدن واحدة، وتشاركوا اللغة والأسواق والثقافة والمعرفة، وأسهم مفكرون وعلماء يهود في الحضارة العربية والإسلامية.وهذا التاريخ يفتح اليوم سؤالًا بالغ الأهمية: لماذا يجب أن يكون مستقبل اليهود في المنطقة قائمًا على صراع أبدي مع الفلسطينيين والعرب؟ ولماذا لا يمكن بناء صيغة جديدة تضمن للفلسطيني واليهودي معًا الأمن والكرامة والمواطنة؟بين الدولتين والدولة الواحدةيمكن قراءة رؤية جيفري ساكس باعتبارها تحذيرًا من ثلاثة مسارات.الأول هو العودة إلى حل الدولتين: دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل، مع ضمانات دولية وإقليمية للأمن والسلام. وهذا لا يزال، رغم كل ما أصابه من تآكل، المخرج الأقل كلفة إذا توفرت الإرادة السياسية.أما الثاني فهو استمرار الاحتلال والاستيطان والضم ومشروع إسرائيل الكبرى. وهذا المسار قد يؤدي إلى مزيد من العزلة الدولية والانقسام الداخلي الإسرائيلي وتراجع الدعم الغربي، وصولًا إلى استحالة الحفاظ على صيغة "دولة يهودية وديمقراطية" تسيطر في الوقت نفسه على ملايين الفلسطينيين المحرومين من الحقوق المتساوية.أما المسار الثالث فهو الدولة الواحدة الديمقراطية؛ أي دولة يعيش فيها الفلسطينيون واليهود، مسلمون ومسيحيون ويهود، على قاعدة المساواة في المواطنة والحقوق السياسية والقانونية.والمفارقة أن اليمين الإسرائيلي، بإصراره على تدمير إمكانية قيام دولة فلسطينية وتوسيع الاستيطان وضم الأرض، قد يكون هو الذي يمهد لهذا الخيار من حيث لا يريد.فإذا أصبحت الدولتان مستحيلتين، يتحول السؤال الفلسطيني من: أين حدود دولتنا؟ إلى سؤال أكثر قوة: إذا كنا نعيش جميعًا تحت سلطة واحدة، فلماذا لا تكون لنا الحقوق نفسها؟وهنا ربما تكمن الرسالة الأعمق في تحذيرات ساكس وفي التحولات التي نشهدها داخل قطاعات يهودية في الغرب: إن نهاية "إسرائيل الكبرى" لا تعني نهاية اليهود أو اقتلاعهم، وإنما قد تعني نهاية فكرة التفوق القومي والهيمنة.لقد أثبتت تجربتي مع العديد من اليهود في أمريكا أن مساحات اللقاء أكبر مما يصوره المتطرفون، وأن هناك من اليهود من يتطلع إلى مستقبل مختلف يقوم على المصالحة والعدل والعيش المشترك.وربما تكون المفارقة التاريخية الكبرى أن الذين حاولوا إلغاء الدولة الفلسطينية هم أنفسهم من يدفعون المنطقة، دون أن يقصدوا، نحو السؤال الأصعب: إذا أصبحت الأرض واحدة، فلماذا لا تصبح المواطنة والحقوق واحدة أيضًا؟
جيفري ساكس ونهاية وهم «إسرائيل الكبرى».. بين التفكك والدولة الواحدة
أحمد المالكي: رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية
عصام بكر: عضو المجلس الوطني الفلسطيني
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)