الأربعاء 09 سبتمبر 2026 8:45 صباحًا - بتوقيت القدس
لم يعد الضغط الدولي على إسرائيل بسبب الاستيطان مجرد بيانات إدانة أو تحذيرات دبلوماسية يمكن لحكومة بنيامين نتنياهو تجاوزها، بل بدأ يتحول تدريجيًا إلى كلفة سياسية واقتصادية ودبلوماسية، والأهم أنه بدأ يدخل إلى قلب الصراع السياسي داخل إسرائيل نفسها. وما أعلنته بريطانيا وفرنسا وكندا، بشأن تقييد أو حظر التجارة مع المستوطنات، إلى جانب البيان المشترك الذي ضم 12 دولة، ليس حدثًا منفصلًا، وإنما حلقة جديدة في مسار تصاعد خلال العام الأخير.فخلال هذه الفترة، انتقلت مواقف عدد من الدول الغربية من التعبير عن القلق إلى اتخاذ إجراءات عملية. بريطانيا علّقت في عام 2025 مفاوضات التجارة الحرة مع إسرائيل، وراجعت علاقاتها التجارية معها، كما علّقت بعض تراخيص تصدير السلاح. وفي حزيران/يونيو 2026، فرضت بريطانيا وفرنسا وكندا والنرويج إجراءات استهدفت شبكات مرتبطة بعنف المستوطنين، فيما فرضت فرنسا قيودًا على وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش وعدد من قادة منظمات المستوطنين ومستوطنين متهمين بالعنف.وفي أيار/مايو الماضي، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة أكثر أهمية عندما فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بالنشاط الاستيطاني، بموجب نظام العقوبات الأوروبي لحقوق الإنسان، فيما حذرت بيانات أوروبية ودولية الشركات من المشاركة في مشاريع الاستيطان، ولا سيما مشروع E1 الذي يمكن أن يقسم الضفة الغربية إلى قسمين ويقوض إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.ثم جاء بيان جديد ليكشف عن انتقال آخر في طبيعة الضغط. فقد أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا، إلى جانب دول أوروبية أخرى، نيتها فرض قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على التجارة مع المستوطنات، باعتبارها غير قانونية بموجب القانون الدولي. وبينما أعلنت بعض الدول استعدادها للتحرك، أكدت دول أخرى أنها تدرس إجراءات إضافية.قد لا تكون القيمة الاقتصادية المباشرة لهذه الإجراءات كبيرة، لأن تجارة منتجات المستوطنات تمثل جزءًا محدودًا من الاقتصاد الإسرائيلي. لكن هذه ليست النقطة الأساسية. الأهم أن الاستيطان بدأ يتحول من مشروع سياسي تدعمه حكومة نتنياهو إلى نشاط تترتب عليه مخاطر اقتصادية وقانونية وسمعة تجارية للشركات والمستثمرين والمؤسسات التي تشارك فيه.وهنا تحديدًا تبدأ الأزمة الإسرائيلية الداخلية.فالمعارضة تستطيع أن تقول إن حكومة نتنياهو أوصلت إسرائيل إلى مواجهة متزايدة مع دول كانت لعقود من أقرب حلفائها، وإن سياسة التوسع الاستيطاني لم تعد مجرد قضية تخص الفلسطينيين، وإنما أصبحت تفرض كلفة على إسرائيل نفسها. وفي المقابل، سيحاول اليمين الإسرائيلي تقديم هذه الإجراءات باعتبارها استهدافًا لإسرائيل وتدخلًا خارجيًا في قرارها السياسي، وتحويل الضغط الدولي إلى وسيلة لحشد الناخبين حول الحكومة.ولعل دخول الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ على خط الأزمة، واعتباره الإجراءات البريطانية تدخلًا في الانتخابات الإسرائيلية، يكشف بوضوح أن القضية تجاوزت حدود السياسة الخارجية. فحين تصبح العقوبات الدولية مادة في الخطاب الانتخابي، فهذا يعني أن الضغط الخارجي بدأ يتحول إلى مشكلة سياسية داخلية.أما الرد الإسرائيلي، فجاء تصعيديًا. فقد هاجم وزير الخارجية جدعون ساعر القرار البريطاني، وأعلنت إسرائيل إجراءات دبلوماسية ضد لندن، بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، في خطوة تعكس حجم التدهور في العلاقات بين الجانبين. وهكذا تحولت المستوطنات من ملف يثير خلافًا مع الفلسطينيين والمجتمع الدولي إلى محور مواجهة مباشرة بين إسرائيل وحلفاء غربيين.لكن الخطر الحقيقي على نتنياهو لا يكمن في قرار تجاري واحد، وإنما في تراكم الإجراءات. فحين تبدأ القيود بالسلع، ثم تمتد إلى الشركات والمقاولين والممولين والمستثمرين والأفراد، تصبح كلفة الاستيطان أكثر وضوحًا داخل الاقتصاد والسياسة الإسرائيليين.وهنا تنقلب المفارقة: الحكومة التي تريد تثبيت الاستيطان كحقيقة دائمة على الأرض قد تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عنه أمام الإسرائيليين باعتباره سببًا في تراجع علاقات إسرائيل الدولية. ومع اقتراب الانتخابات، لن يكون السؤال فقط عن مستقبل المستوطنات في الضفة الغربية، بل عن ثمنها الذي يدفعه الإسرائيليون سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا.لذلك، فإن أهمية قرارات بريطانيا وفرنسا وكندا والبيان الأوروبي المشترك لا تقاس فقط بحجم التجارة التي ستتأثر، وإنما بما تكشفه من تحول في قواعد اللعبة: الضغط على الاستيطان لم يعد يأتي من الخارج فقط، بل بدأ يعود إلى الداخل الإسرائيلي، ويتحول إلى سؤال انتخابي عن مسؤولية حكومة نتنياهو عن الكلفة المتزايدة لسياساتها.فالاستيطان الذي أرادت حكومة نتنياهو أن يكون أداة لتغيير الواقع الفلسطيني، قد يتحول تدريجيًا إلى أحد العوامل التي تغيّر الواقع السياسي داخل إسرائيل نفسها.***وهنا تنقلب المفارقة: الحكومة التي تريد تثبيت الاستيطان كحقيقة دائمة على الأرض قد تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عنه أمام الإسرائيليين باعتباره سببًا في تراجع علاقات إسرائيل الدولية.
الاستيطان يرتدّ على نتنياهو: حين يتحول الضغط الدولي إلى أزمة داخلية في إسرائيل
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)