f 𝕏 W
"زلزال" الطوفان: تحذيرات ضائعة، وسردية موظفة ، وحرب لم تنته

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

"زلزال" الطوفان: تحذيرات ضائعة، وسردية موظفة ، وحرب لم تنته

واشنطن – سعيد عريقات – 9/9/2026

في الثامن من أيلول 2026، نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية تحقيقاً طويلاً يفتح نافذة على كواليس ما سبق السابع من أكتوبر، متخذاً من مكالمة سرية بين حاكم الإمارات محمد بن زايد ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نقطة ارتكاز لسردية دراماتيكية. المكالمة، كما يروي التحقيق، حملت تحذيراً استثنائياً من "زلزال" يخطط له يحيى السنوار، لكنها لم تُبلَّغ للأجهزة الأمنية الإسرائيلية. التحقيق لا يتوقف عند الإخفاق الاستخباري، بل يغوص في قنوات تفاوض سرية وصفقات متعثرة ومماطلات سياسية جعلت من غزة برميل بارود مؤجلاً. لكن الأسئلة الأعمق تبقى معلقة: لمن تُكتب هذه الرواية؟ ومن تخدم في توقيتها؟ وما الذي تخفيه من سياقات أبعد من مجرد فشل فردي؟

يبدو المقال في ظاهره موجهاً ضد نتنياهو، متّهماً إياه بإخفاء تحذيرات حاسمة وصلت من الإمارات ومصر، وبالمماطلة في صفقة تبادل أسرى كان يمكن أن تمنع الكارثة. لكن النقد هنا ليس أخلاقياً ولا حقوقياً، بل هو نقد تقني يدور داخل حدود المشروع الصهيوني. فالمقال لا يشكك في شرعية احتلال غزة، ولا في جريمة الحصار المستمر، ولا في حق إسرائيل في شن الحروب والاغتيالات. بل على العكس، هو يقدم المقاومة الفلسطينية عبر شخص يحيى السنوار ككيان يخادع ويمكر، وكأن التفاوض على فك الحصار والأسرى ليس حقاً مشروعاً، بل مناورة تستحق التنديد. هذا الانزياح الدلالي ليس بريئاً، إذ يعيد إنتاج الرواية الصهيونية القائلة إن الفلسطيني حين يقاوم فهو إرهابي، وحين يتفاوض فهو مخادع. إنها معادلة عنصرية تجرد الفلسطيني من حقه في الفعل السياسي والمقاوم معاً، وتضعه في قفص الاتهام الأبدي.

تحتل أبو ظبي في هذا التحقيق موقعاً مركزياً، لكن المطلوب قراءه ذلك بعين ناقدة. فالإمارات تظهر كحلقة وصل بين حماس وإسرائيل، وكصوت تحذيري مسؤول أراد إنقاذ المنطقة من زلزال. لكن السؤال الأعمق: كيف يمكن لدولة طبّعت علاقاتها مع الكيان المحتل أن تكون وسيطاً محايداً؟ ثم إن الاتصال السري بين محمد بن زايد ونتنياهو لم يكن بدافع حب الفلسطينيين أو حرصاً على غزة، بل بدافع حماية اتفاقيات إبراهيم وصورة الاستقرار الإقليمي التي تخدم مصالح الإمارات الاستثمارية والأمنية. الأخطر أن أبو ظبي لم تكن في وارد الضغط على إسرائيل لرفع الحصار أو وقف الاستيطان أو إنهاء الاحتلال، بل كانت تريد تهدئة تحفظ ماء وجهها أمام شعوب المنطقة. إنها وساطة المصلحة لا وساطة الضمير.

يحاول التحقيق تحميل نتنياهو مسؤولية الفشل الاستخباري، وهذا صحيح جزئياً. لكن التركيز على خطيئة شخصية يطمس حقيقة أن كل المؤسسات الإسرائيلية، من الشاباك إلى الموساد إلى جيش الاحتلال، كانت شريكة في نمط تفكير واحد: غزة لا تشكل خطراً استراتيجياً، والمقاومة يمكن احتواؤها بالمساعدات والتفاوض، والفلسطيني لا يفهم إلا القوة. التحقيق لا يذكر أن هذه المنظومة الأمنية بأكملها كانت منشغلة بسياسة الهدوء مقابل التسهيلات، وهي سياسة استعمارية تهدف إلى تجميد القضية الفلسطينية وإدارة الاحتلال بأقل كلفة. كما أنه يتجاهل أن التحذيرات التي وصلت، إن صحت، لم تكن لتمنع الحق الفلسطيني في المقاومة، بل كانت لتزيد من إجراءات القمع والقتل الوقائي.

نشر المادة قبل انتخابات الكنيست بأقل من شهرين ليس صدفة. إنه استثمار في اللحظة السياسية لضرب نتنياهو من المعارضة الصهيونية (اليمينية) غير المتطرفة، لا لإسقاطه لصالح قوى السلام، بل لصالح بديل صهيوني أقل مدعاة للعزلة العالمية، وأكثر كفاءة في إدارة الاحتلال. المعارضة الإسرائيلية التي تحتفي بمثل هذه التحقيقات لا تختلف مع نتنياهو على جرائمه، بل على طريقته في الإدارة. إنها معركة داخل البيت الواحد على كرسي القيادة، بينما الفلسطينيون هم الوقود في هذه المحرقة السياسية. وهذا يذكر بمقولة إدوارد سعيد إن النقد الداخلي الإسرائيلي لا يتجاوز حدود الصهيونية، بل هو صيانة ذاتية لها.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)