وفي هذا الإطار، يبرز الطفل زكريا السرسك نموذجا استثنائيا يرتدي زي الطب داخل ممرات مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط قطاع غزة، ليتحدى أهوال العدوان ويصوغ بيده الصغيرة ملامح جديدة للكرامة والبطولة البشرية.
وسعى برنامج "ما الجدوى" – في حلقة (8 سبتمبر/أيلول 2026) على منصة الجزيرة 360، وهذا رابطها – إلى تسليط الضوء على المفارقة الصارخة بين هشاشة الكائن البشري وقسوته الشديدة في إبادة أبناء نوعه مقارنة بكائنات صلبة مثل "دب الماء"، وبين أسطورة الصمود والارتقاء الأخلاقي التي تفكك القوانين البشرية البالية في غزة.
ففي أبريل/نيسان 2024، ووسط كابوس النزوح القسري بعد تدمير منزله وتحول ألعابه إلى غبار، اتخذ الطفل زكريا السرسك (12 عاما) قرارا حاسما بالبقاء في مدينة دير البلح. ورغم انفصاله الفعلي عن عائلته التي أُجبرت على النزوح مجددا نحو رفح جنوبا، أصر زكريا بـ"عناد الأبطال" على البقاء متجذرا داخل منظومة العمل الشاقة في مستشفى شهداء الأقصى.
وبأصابع غضة ترتدي قفازات طبية تتجاوز حجم يديه الصغيرتين، يمارس زكريا مهام حقيقية؛ يملأ الحقن بدقة، ويقيس ضغط الدم للمرضى المنهكين، ويدفع النقالات الثقيلة بالجرحى المضرجين بدمائهم، بل يرافق سيارات الإسعاف المسرعة لجلب المصابين ونقل جثامين الشهداء إلى ثلاجات الموتى.
كما يتحرك زكريا في بيئة صحية منهارة تعاني من نفاد الوقود والأدوية، وأمام واقع يضم أكثر من 75 ألف مصاب بإعاقات دائمة، ليكون فعل الإنقاذ بالنسبة له هو الوسيلة الوحيدة للتعامل مع هذا الكابوس.
ولا تنفصل حالة زكريا عن واقع عام في قطاع غزة الذي لا تتجاوز مساحته 365 كيلومترا مربعا؛ حيث تلاشت الفروق بين الكبار والصغار، وأصبح الأطفال يتحملون أعباء قاسية جراء حرب أذاقت الموت لأكثر من 73 ألف إنسان، بواقع نحو 200 شهيد لكل كيلومتر مربع وبمعدل 75 شهيدا يوميا.
التعليقات (0)