ثمة تحول عميق يطرأ على فهمنا لطبيعة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، تحول يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة إلى فضاء أرحب وأشد تعقيداً، هو فضاء العقول والنفوس والتصورات الجمعية. إن ما يمكن تسميته بـ"الهندسة النفسية" لم يعد ترفاً أكاديمياً ولا هامشاً في معادلة الصراع، بل صار أداة استراتيجية متقدمة في صناعة الانتصار، تستند إلى مبادئ علم النفس السياسي، وتستهدف تغيير الإدراكات الجماعية للخصم من جذورها.
إن التعامل مع الحالة الإسرائيلية تحديداً يتطلب منا الغوص في أعماق السيكولوجيا الجمعية لذلك المجتمع، ذلك أن المجتمع الإسرائيلي يعتمد في بقائه وتماسكه الظاهري على رواية تاريخية مؤسسة على الخوف الوجودي، خوف تمت تغذيته وتضخيمه عبر عقود طويلة، حتى صار جزءاً من نسيج الهوية الجمعية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فمصدر القوة المزعوم هذا يمكن أن يتحول إلى نقطة الضعف الأكثر فتكاً حين يُستغل بمهارة لإحداث ما يسميه علماء النفس بـ"التنافر المعرفي"، تلك الحالة التي يتصدع فيها بناء الثقة بالنفس الجمعية حين يصطدم الوعي بتناقضات الواقع المرير.
إن عمليات الحرب النفسية المعاصرة ترتكز بشكل جوهري على السيطرة على السرد الإعلامي وتوجيهه. وفي هذا السياق، يصبح وصول السرد الفلسطيني إلى المنصات الدولية ومنافسة الرواية الإسرائيلية في عقر دارها ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن ضرورات الصمود الميداني. بل إن الصمود ذاته، بطول أمده واستعصائيه على الكسر، يولد إرهاقاً نفسياً متراكماً لدى قوات الاحتلال وجمهوره على حد سواء، إرهاقاً يقود بالضرورة إلى حالة من اليأس الجماعي والتساؤل المرير حول جدوى الاحتلال وأثمانه الباهظة.
هذا هو بالضبط ما ينطبق عليه مصطلح "الضغط النفسي المستمر" الذي بات يشكل العمود الفقري لاستراتيجية المقاومة في حرب غير متكافئة بطبيعتها. فالحرب غير المتكافئة ليست فقط تفاوتاً في موازين القوى العسكرية المادية، ولكنها أيضاً، وبصورة حاسمة، تفاوت في الأبعاد النفسية والقدرة على الصمود وتحمل التكاليف الإنسانية والمعنوية.
ويأتي علم النفس الاجتماعي ليوضح لنا آليات تفكيك التماسك الداخلي للخصم، وهو تماسك يعاني في الحالة الإسرائيلية من انقسامات سياسية واجتماعية وطائفية عميقة، باتت مرئية للعيان ومصدر قلق حقيقي لنخبه الحاكمة. هذه الانقسامات يمكن تضخيمها وتعميقها عبر حملات معلوماتية مدروسة، لا تخلق انقساماً من عدم، بل تغذي الشرخ الموجود أصلاً وتحوله إلى هوة يصعب ردمها.
إن الرأي العام العالمي الذي بدأ يتحول بصورة لافتة لمصلحة الحق الفلسطيني، لم يتحول بمحض الصدفة، بل بفعل الوعي النفسي الموجه الذي استطاع اختراق جدران الدعاية الصهيونية السميكة. وها هي السياسة الخارجية للعديد من الدول تجد نفسها مضطرة، بفعل ضغط هذا الرأي العام المستنير، لاستخدام القوة الناعمة لتعزيز الهزيمة النفسية للاحتلال ومشروعه الاستيطاني التوسعي.
💬 التعليقات (0)