f 𝕏 W
عندما ينكمش الخيال السياسي تتغير وظيفة السياسة

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

عندما ينكمش الخيال السياسي تتغير وظيفة السياسة

لم يعد أخطر ما يواجه المجتمع الفلسطيني محصوراً في الأزمات التي يعيشها، بل في الأثر الذي يتركه استمرارها على وعي الناس ونظرتهم إلى المستقبل. فالأزمات حين تطول لا تبقى ظروفاً ضاغطة، وإنما تعيد تعريف الممكن والمستحيل. ومع الوقت، لا يعود الإنسان يقيس الواقع بما كان يمكن أن يكون، بل بما اعتاد أن يكون عليه؛ فيتحول المؤقت إلى دائم، والممكن إلى حلم بعيد، ويصبح المستقبل امتداداً للحاضر.

ومن هنا يبدأ التحول الأعمق. فالمواطن الذي يعيش سنوات من الانسداد والحرب والانقسام والضغوط الاقتصادية والسياسية وضعف القدرة على التأثير، لا يفقد بالضرورة اهتمامه بالشأن العام، لكنه يعيد ترتيب أولوياته. وحين لا يرى أثراً واضحاً لمشاركته، يتجه إلى ما يستطيع التأثير فيه مباشرة: أسرته، وعمله، وأمنه، ومستقبله الفردي. شيئاً فشيئاً يصبح المستقبل الشخصي أكثر قابلية للتصديق من المستقبل الجماعي، ويصبح الاستثمار في النجاة أكثر عقلانية من الاستثمار في التغيير.

هنا ينكمش الخيال السياسي؛ أي قدرة المجتمع على تصور واقع مختلف، ورؤية بدائل قابلة للحياة داخل القيود القائمة، والإيمان بأن الفعل السياسي يستطيع توسيع دائرة الممكن. والمفارقة أن المواطن لا يفقد بالضرورة رغبته في التغيير، بل يفقد القدرة على تخيله. وعندما يحدث ذلك، تتغير وظيفة السياسة نفسها: من صناعة المستقبل إلى إدارة الحاضر، ومن البحث عن البديل الأفضل إلى إدارة الممكن وتجنب الأسوأ. وحين يصبح الواقع هو سقف الطموح، تفقد السياسة قدرتها على توسيع هذا السقف.

وهذا التحول يغيّر معنى المشاركة الديمقراطية. فالانتخابات تقوم على فكرة أن الاختيار يصنع فرقاً، وأن اختلاف الخيارات يمكن أن يقود إلى مستقبل مختلف. لكن حين يتراجع الإيمان بقدرة السياسة على تغيير الواقع، قد يتحول التصويت من اختيار للمستقبل إلى حكم على الماضي، ومن مفاضلة بين البدائل إلى تعبير عن الغضب من الحاضر. وقد يظهر ذلك في العزوف حين يشعر المواطن أن الخيارات لن تغير شيئاً، أو في مشاركة احتجاجية حين يصبح صندوق الاقتراع المساحة المتاحة للتعبير عن غضب متراكم.

وتزداد المسألة تعقيداً في الحالة الفلسطينية، حيث تتداخل مصادر الأزمة وتتجاوز قدرة السياسة الفلسطينية وحدها. فالاحتلال والحرب والقيود المفروضة على الحركة والموارد والقرار، إلى جانب الانقسام والجمود وضعف الأداء المؤسسي والسياسي، تنتج واقعاً مركباً لا تستطيع أي قيادة فلسطينية منفردة التحكم به. لكن المواطن لا يملك الأدوات نفسها للتأثير في جميع هذه المصادر، ولذلك تصبح المؤسسات والقيادات والقوى السياسية الأقرب إليه المجال الأكثر قابلية للمحاسبة والتعبير عن الغضب، حتى عندما يكون جزء من هذا الغضب ناتجاً عن ظروف تتجاوز قدرتها الفعلية على تغييرها.

لهذا لا ينبغي قراءة الانتخابات في الظروف الاستثنائية باعتبارها انعكاساً آلياً لخريطة سياسية ثابتة. فالناخب يدخل الصندوق محملاً بقناعاته، لكن أيضاً بأثر السنوات التي عاشها، وبالخوف والغضب والإحباط والأمل المحدود. وقد تعكس النتائج، إلى جانب التحولات في القناعات، ما فعلته الأزمة في سلوك الناخب وطريقة تعبيره عن نفسه، وقد تنتقل قوى سياسية من هامش المشهد إلى مركزه لأنها التقطت لحظة احتجاج أو غضب، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولاً مستقراً وعميقاً في مواقف المجتمع تجاهها.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)