لسنوات طويلة، كانت «إيباك» واحدة من أقوى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، وامتلكت نفوذاً واسعاً داخل دوائر القرار الأميركي، إلى درجة جعلت كثيراً من السياسيين يتعاملون مع دعم إسرائيل باعتباره قاعدة ثابتة لا تحتمل كثيراً من النقاش، كانت قادرة على دعم المرشحين الذين يتبنون مواقف مؤيدة لإسرائيل، واستخدام نفوذها المالي والسياسي ضد من يخرج عن هذا المسار، ولذلك تحولت بالنسبة إلى عدد كبير من السياسيين إلى قوة انتخابية يصعب تجاهلها، لكن حرب غزة أحدثت تحولاً في البيئة السياسية الأميركية، وبدأت هذه القوة تواجه اختباراً لم تعرفه بهذا الشكل من قبل.
فمشاهد القتل والدمار والجوع والتهجير التي رافقت الحرب دفعت القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش السياسي الأميركي، وفتحت الباب أمام أسئلة كانت لسنوات طويلة هامشية أو محرمة سياسياً، من بينها حجم المساعدات الأميركية لإسرائيل، وطبيعة الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه واشنطن، وحدود النفوذ الذي تمارسه جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الحياة السياسية الأميركية ، ومع اتساع هذا النقاش، بدأ عدد متزايد من السياسيين الأميركيين يدرك أن انتقاد إسرائيل لم يعد بالضرورة مخاطرة انتخابية قاتلة، وأن جزءاً من الناخبين أصبح ينظر إلى السياسة الأميركية تجاه إسرائيل باعتبارها قضية تستحق المساءلة، لا مجرد موقف ثابت لا يجوز الاقتراب منه.
وهنا بدأت معادلة «إيباك» القديمة تتعرض للاهتزاز، فقد أنفقت الجماعات المؤيدة لإسرائيل مبالغ ضخمة في الانتخابات الأميركية بهدف دعم مرشحين وإسقاط آخرين بسبب مواقفهم من إسرائيل، في محاولة للحفاظ على النفوذ السياسي التقليدي ومنع الأصوات المنتقدة من الوصول إلى مواقع القرار، غير أن المال، مهما بلغ حجمه، بدأ يصطدم بتغير المزاج الشعبي، وبصعود جيل جديد من الناخبين أكثر استعداداً لمناقشة القضية الفلسطينية، وأكثر تشككاً في الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل. أخبار ذات صلة عبد الرحمن السيد: "إيباك" أنفقت الملايين لتمويل جرائم تفوق الإبادة الجماعية بأموال الأمريكيين قناة عبرية تكشف كواليس مأزق الاحتلال التاريخي وعجزه عن لجم سلاح حماس
ويظهر ذلك بوضوح في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغن، حيث واجه عبد السيد، أحد أبرز المنتقدين لإسرائيل، منافسة قوية مدعومة بإنفاق انتخابي هائل بلغ نحو 62 مليون دولار، ارتبط جزء كبير منه بجماعات مؤيدة لإسرائيل، كان الرهان أن تؤدي هذه القوة المالية والتنظيمية إلى إبعاده عن السباق، لكن النتيجة جاءت مختلفة؛ إذ تمكن عبد السيد من الفوز في الانتخابات التمهيدية ، وقد حملت النتيجة رسالة سياسية تتجاوز حدود الولاية نفسها، مفادها أن المال السياسي لم يعد قادراً وحده على تحديد خيارات الناخبين، وأن المرشح الذي يرفع قضية فلسطين وينتقد السياسة الإسرائيلية يستطيع، في بعض الدوائر، أن ينافس ويفوز رغم تعرضه لماكينة مالية ضخمة.
والأهم من ذلك أن هذا التحول بدأ يظهر داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي معاً، فقد انتقد النائب الجمهوري توماس ماسي أموال «إيباك» وتأثيرها داخل حزبه، كما شارك النائب الديمقراطي رو خانا في رعاية تعديل يدعو إلى خفض المساعدات الأميركية لإسرائيل، وهذا التطور يكشف أن القضية لم تعد مجرد خلاف داخل التيار الديمقراطي أو بين جناح تقدمي وآخر تقليدي، بل بدأت تتحول إلى نقاش أوسع يتعلق بمصالح الولايات المتحدة نفسها وبطبيعة علاقتها بإسرائيل.
ولا يعني ذلك أن «إيباك» فقدت نفوذها أو أن عصر تأثيرها السياسي انتهى، فما زالت تمتلك إمكانات مالية وتنظيمية وعلاقات واسعة داخل المؤسسات السياسية الأميركية، وما زال دعم إسرائيل يحظى بتأييد قوي في أوساط سياسية عديدة، لكن المشكلة بالنسبة إليها تكمن في شيء آخر: النفوذ الذي كان يبدو في السابق مطلقاً لم يعد كذلك.
التعليقات (0)