f 𝕏 W
سيادة بلا مضخة

جريدة القدس

سياسة منذ 54 دق 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

سيادة بلا مضخة

قارن التغطية هذا الخبر نُشر في 2 مصادر مختلفة — اطّلع على كل التغطيات جنباً إلى جنب جديد: مرايا الأخبار — كيف اختلفت صياغة المصادر بالذكاء الاصطناعي

الثّلاثاء 08 سبتمبر 2026 9:09 صباحًا - بتوقيت القدس

من يملك السيادة على سعر اللتر الذي يدفعه المواطن؟ أحيانًا لا يكشف القرار الاقتصادي عن الحل بقدر ما يكشف عن السؤال الذي كان غائبًا. في الأول من سبتمبر ارتفع سعر بنزين 95، قبل أن تعلن الهيئة العامة للبترول، بعد أيام قليلة، خفضه بنصف شيكل. بين القرارين برز سؤال أكبر من قيمة التغيير نفسه: ما حجم الهامش الذي تملكه الحكومة الفلسطينية فعلًا في تسعير الوقود؟ ومن يتحمل تكلفة استخدامه؟ وأين ينتهي القيد الإسرائيلي ويبدأ القرار الفلسطيني؟السؤال يزداد إلحاحًا أمام تجربة الأردن، الذي ثبّت أسعار المحروقات لشهر سبتمبر رغم ارتفاعها عالميًا، معلنًا أن ما تحملته خزينته من فروقات منذ بداية الأزمة بلغ نحو 224 مليون دينار. الفارق هنا ليس أن الأردن "يستطيع" وفلسطين "لا تستطيع"، بل أن هناك فرقًا بين امتلاك الصلاحية القانونية للتدخل، وامتلاك القدرة المالية على تمويل هذا التدخل.يضع البروتوكول قيدًا سعريًا واضحًا يتعلق بالبنزين تحديدًا، يربط سعره النهائي بالسعر الإسرائيلي ضمن هامش محدد، بينما يمنح الجانب الفلسطيني حق تحديد أسعار المشتقات الأخرى بحرية أوسع. هذا يعني أن القيود ليست متماثلة على جميع المشتقات، وأن الحديث عن غياب كامل للقدرة الفلسطينية على التسعير غير دقيق، بقدر ما لا يصح الحديث عن حرية كاملة أيضًا. فالقدرة القانونية على تحديد السعر شيء، والقدرة الاقتصادية على تمويله شيء آخر، خصوصًا مع اعتماد شبه كامل على التوريد الإسرائيلي وتكاليف شراء وضرائب وهوامش توزيع تحدد ما تستطيع الحكومة امتصاصه قبل أن ينتقل للمستهلك.واللافت أن التخفيض الفلسطيني جاء متزامنًا مع قرار إسرائيلي بخفض ضريبة الوقود "البلو" بنصف شيكل للتر حتى نهاية أكتوبر، بعد بلوغ سعر بنزينها أعلى مستوى منذ 14 عامًا. التطابق في التوقيت والمقدار يطرح احتمالًا قويًا بأن التخفيض الفلسطيني ارتبط مباشرة بالتغير في التسعيرة الإسرائيلية، لكن الإعلان الفلسطيني المنشور لم يوضح آلية انتقال هذا التخفيض إلى السعر المحلي. وهنا تحديدًا تصبح الشفافية جزءًا من القضية: هل كان التخفيض انعكاسًا مباشرًا لخفض الضريبة الإسرائيلية، أم تدخلًا فلسطينيًا مستقلًا، أم مزيجًا من الاثنين؟ وإن صح الاحتمال الأول، فهذا يعزز لا يُضعف حجة هذا المقال: البنزين هو الأكثر ارتباطًا بالقرار الإسرائيلي، بعكس مشتقات أخرى كالسولار.ويفتح ذلك سؤالًا محاسبيًا آخر: كيف تُعالج فروقات الكلفة على الكميات المشتراة أو المتعاقد عليها قبل تعديل السعر؟ وهل تنعكس في تسويات لاحقة مع الموردين، أم تتحمل الخزينة جزءًا منها، أم توجد آلية أخرى؟ لا توجد إجابة معلنة حتى الآن، وغياب الإجابة نفسه دليل إضافي على أن معادلة التسعير، حتى حين تتغير لصالح المواطن، تبقى بلا تفسير علني كافٍ لآلياتها الداخلية. فالفارق بين وجود سياسة تثبيت معلنة وبين انعكاسات لقرارات الطرف الآخر هو وجود قاعدة يعرف من خلالها السوق متى تتدخل الحكومة الفلسطينية تحديدًا، وبأي مقدار، ومن يتحمل الكلفة، بمعزل عن أي تغير مقابل إسرائيليًا. إذا كان البنزين مرتبطًا آليًا بالقرار الإسرائيلي كما توضح واقعة سبتمبر، فالسولار يطرح سؤالًا مختلفًا: هامشه الفلسطيني أوسع قانونيًا، وأثره الاقتصادي أهم لأنه يدخل في النقل والشحن والإنتاج، فتنتقل زيادته من المضخة لتكلفة كل سلعة وخدمة. واللافت أن ممثلي أصحاب محطات الوقود أشاروا إلى أن وزارة المالية كانت تدعم سعر السولار سابقًا، قبل أن تؤدي الأزمة المالية واحتجاز المقاصة إلى تراجع القدرة على الاستمرار بهذا الدعم. هذا يغيّر طبيعة السؤال: المشكلة ليست أن فلسطين لم تستخدم هامشها؛ فقد استخدمته بالفعل، لكن القدرة على الاستمرار فيه أصبحت مرتبطة بخزينة تعاني أزمة حادة. وهنا المفارقة الأساسية: قد تمتلك الحكومة أداة للتدخل، لكنها لا تمتلك دائمًا المال الكافي لاستخدامها. فالسيادة السعرية لا تُقاس فقط بمن يملك حق تغيير الرقم على المضخة؛ بل بمن يملك القدرة المالية على تحمل الفرق عندما يقرر ألا ينقله إلى المواطن. وهذا يفسر جزءًا من الفارق مع الأردن، الذي أعلن بوضوح حجم ما تحملته خزينته. أما فلسطينيًا، فما زلنا بحاجة لشفافية مماثلة: كم تكلف سياسة دعم الوقود فعلًا؟ لأي مشتق؟ وكم لكل لتر؟ تضمنت موازنة الطوارئ 2026 بندًا مُجمّعًا بقيمة 1.3 مليار شيكل لدعم المياه والكهرباء والوقود والمخيمات والتأمين الصحي معًا. استخدام هذا الرقم إعلاميًا باعتباره "دعمًا للمحروقات" وحده مضلل، لأن البيان المنشور لا يفصل حصة الوقود من الإجمالي. ولا تحتاج معالجة هذا إلى مفاوضات جديدة أو تعديل البروتوكول، بل إلى نشر تفصيل واضح: كم تدفع الخزينة للوقود تحديدًا، ولأي مشتق، وكم ينعكس منه على سعر اللتر. فالشفافية هنا جزء من السياسة الاقتصادية نفسها، لا مطلبًا إعلاميًا فحسب.بعد أكثر من ثلاثة عقود على بروتوكول باريس، ما زالت فلسطين شديدة الاعتماد على مسار توريد يحوّل أي اضطراب سياسي أو مالي لمشكلة طاقة محلية سريعًا. تنويع مصادر التوريد، وبناء مخزون استراتيجي فعلي، ودراسة الاستيراد البديل عبر الأردن أو مصر ليست أفكارًا جديدة؛ المطلوب الانتقال من الحديث عنها كخيارات استراتيجية إلى قياس ما تحقق منها فعلًا. الاستقلال الاقتصادي لا يعني الاستغناء الفوري عن السوق الإسرائيلية، فهذا غير واقعي، لكنه يعني أن تنخفض كلفة كل أزمة جديدة لأن البدائل أصبحت أكثر. وإذا مرّت أزمة بعد أخرى بلا تغيّر في درجة الاعتماد، فلم تعد المشكلة كلها في القيد المفروض، بل أيضًا في البديل الذي لم يُبنَ.ليس من الإنصاف القول إن الحكومة حرة تمامًا في تحديد الأسعار، وليست الدقة أيضًا في القول إنها لا تملك شيئًا من القرار؛ الحقيقة تقع بينهما. هناك قيود إسرائيلية حقيقية، واعتماد على مورد خارجي، وأزمة مالية تصعّب تمويل الدعم، واحتمال قوي بارتباط مباشر بالبنزين تحديدًا كما توضح واقعة سبتمبر. لكن هناك أيضًا هوامش فلسطينية: في السولار، وحجم الدعم وطريقته، ومكونات التسعيرة، ومستوى الشفافية، وبناء المخزون وتنويع التوريد. وهنا يجب أن تقع المساءلة، لا في مطالبة خزينة منهكة بتجميد الأسعار مفتوحًا، ولا في تحرير الأسعار كليًا وترك كل صدمة تنتقل فورًا للمستهلك. المطلوب أولًا أن نعرف ما الأداة التي نملكها، وكم تكلف، ومتى نستخدمها، ومن يتحمل فارق الكلفة حين يتغير السعر بين لحظة الشراء ولحظة البيع، وهل هي مستقلة فعلًا عن قرار الطرف الآخر أم مجرد انعكاس له. فالسؤال الأكثر فائدة لم يعد فقط لماذا ارتفع سعر الوقود، بل: أي جزء منه لا نستطيع تغييره، وأي جزء نستطيع لكننا لم نقرر بعد كيف ندير كلفته؟مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)