الثّلاثاء 08 سبتمبر 2026 9:07 صباحًا - بتوقيت القدس
ليست المفاجأة أن يتحدث فلسطيني عن نهاية الاحتلال، فذلك حلم شعب يعيش تحت الاحتلال منذ عقود. المفاجأة أن يبدأ بعض الإسرائيليين أنفسهم في السؤال: هل يمكن أن تصل إسرائيل إلى مئويتها عام 2048، أم أن المشروع الصهيوني قد ينهك نفسه قبل ذلك؟هذا السؤال لم يعد مجرد هتاف سياسي قادمًا من خارج إسرائيل، بل أصبح جزءًا من نقاش داخلي يتسع كلما طال أمد الحرب، واتسعت دائرة الانقسام، وتآكلت الثقة بالمؤسسات، وتحولت السياسة إلى معركة على هوية الدولة ومستقبلها.حين يكتب دان بيري، الرئيس السابق لمكتب وكالة «أسوشيتد برس» في أوروبا والشرق الأوسط، عن مسار قد يقود إسرائيل إلى التفكك قبل عام 2048، فإن أهمية كلامه لا تكمن في أنه يمتلك كرة بلورية يرى فيها المستقبل، وإنما في أنه يضع إصبعه على جرح إسرائيلي مفتوح: الخطر على إسرائيل قد لا يأتي دائمًا من صاروخ أو جيش عربي، بل من دولة تأكل نفسها من الداخل. وهنا يصبح بنيامين نتنياهو أكثر من مجرد رئيس وزراء مثير للجدل.فالرجل لم يعد يقود حكومة في أزمة عابرة، بل يقف في قلب واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ إسرائيل الحديث. حكومة تعيش على التحالفات اليمينية والدينية، ومجتمع يزداد انقسامًا، ومؤسسة عسكرية وأمنية تحمل أثقال الحرب، واقتصاد يدفع كلفة الصراع، ومؤسسات قضائية وسياسية تخوض معركة مفتوحة حول حدود السلطة.ومن هنا يمكن فهم التحذير من عودة نتنياهو إلى الحكم باعتباره تحذيرًا من استمرار المسار نفسه، لا مجرد اعتراض على شخص.فالمشكلة ليست أن نتنياهو هو الرجل الذي يستطيع وحده إسقاط إسرائيل، فهذا تبسيط للتاريخ والسياسة، وإنما أن بقاءه في قلب المشهد قد يعني استمرار السياسات التي عمّقت الشرخ الداخلي وأبقت إسرائيل أسيرة الحرب والاستيطان والاستقطاب.السابع من أكتوبر هزّ الصورة التي حاولت إسرائيل ترسيخها لعقود عن نفسها: دولة تمتلك التفوق الأمني المطلق، وأجهزة لا تُخترق، وحدودًا لا يمكن تجاوزها، ومجتمعًا قادرًا على تعبئة نفسه في اللحظة المناسبة.لكن الصدمة الأمنية لم تكن سوى البداية. فالحرب الطويلة في غزة كشفت أزمة أعمق: ماذا تفعل دولة حين يصبح استمرار الحرب جزءًا من بقائها السياسي؟ وكيف يمكن لمجتمع أن يحافظ على تماسكه بينما تتصارع داخله رؤى متناقضة حول الأسرى، والحرب، والحكومة، والدين، والديمقراطية، والاستيطان، ومستقبل الأراضي الفلسطينية؟هذه ليست أسئلة عسكرية. إنها أسئلة دولة. والدولة التي تضطر إلى خوض حرب دائمة كي تؤجل أزماتها الداخلية، لا تنتصر بالضرورة؛ قد تكون فقط تؤجل لحظة مواجهة نفسها.إسرائيل اليوم لا تواجه فقط خصومًا خارج حدودها، بل تواجه أيضًا أزمة ثقة داخلية، واستقطابًا سياسيًا حادًا، وتوترًا حول القضاء والمؤسسات، وصراعًا حول توزيع الأعباء بين فئات المجتمع، إلى جانب كلفة اقتصادية ودبلوماسية متزايدة.وكلما توسعت المستوطنات، وتعقدت مسألة الضم، واستمر تجاهل الحقوق الفلسطينية، أصبحت إسرائيل أمام معادلة أكثر صعوبة: تريد دولة يهودية ديمقراطية، لكنها تسيطر على شعب آخر بلا حقوق سياسية كاملة، وتواصل مشروعًا استيطانيًا يجعل أي تسوية أكثر صعوبة.وهذه ليست مشكلة فلسطينية فقط. إنها قنبلة سياسية داخلية أيضًا.لذلك، فإن الأصوات التي تتحدث عن «العقد الثامن» لا تقدم بالضرورة موعدًا لانهيار إسرائيل، بقدر ما تعكس خوفًا إسرائيليًا من أن تتحول التناقضات المتراكمة إلى أزمة لا تستطيع الدولة احتواءها.لقد سبق لإسرائيليين بارزين أن حذروا من أن الانقسام الداخلي قد يكون أخطر من أعداء الخارج، وأن المجتمعات لا تنهار فقط عندما تُهزم في الحرب، بل عندما تفقد قدرتها على الاتفاق على الحد الأدنى من تعريف الدولة ومصالحها ومستقبلها. وهنا تحديدًا تبدو المفارقة التاريخية.المشروع الصهيوني قام على فكرة بناء دولة قوية قادرة على حماية نفسها في بيئة معادية. لكن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع أن تنتج مجتمعًا متماسكًا، ولا تستطيع أن تمنح الاحتلال شرعية دائمة، ولا تستطيع أن تلغي شعبًا من التاريخ والجغرافيا.يمكن للدبابات أن تحمي حدودًا، لكنها لا تستطيع أن تصنع إجماعًا. ويمكن للقوة أن تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تجعل الظلم قانونًا أبديًا. ويمكن لإسرائيل أن تربح جولة عسكرية، لكنها لا تستطيع أن تربح إلى الأبد معركة الزمن.ولهذا فإن أخطر ما في التحذيرات الإسرائيلية ليس رقم 2048 بحد ذاته. الأخطر هو السؤال الذي يقف خلف الرقم: ماذا لو وصلت إسرائيل إلى عامها المئة وهي تحمل كل أزماتها معها؟ماذا لو بقي الاحتلال بلا حل، والاستيطان يتوسع، والانقسام الداخلي يتعمق، والحرب تتحول إلى نمط حياة، والديمقراطية تتآكل تحت ضغط اليمين الديني والقومي، والعلاقة مع العالم تزداد توترًا؟ عندها لن يكون السؤال: من هزم إسرائيل؟ بل: كم ساهمت إسرائيل نفسها في صناعة أزمتها؟أما الفلسطينيون، فلا ينبغي أن يقعوا في خطأ انتظار «سقوط إسرائيل» وكأنه قدر محتوم. الاحتلال لا ينتهي بمجرد انهيار حكومة، ولا تتحقق الحرية لأن خصمًا يمر بأزمة. القضية الفلسطينية تحتاج إلى قوة سياسية ومؤسساتية واقتصادية وتعليمية، وإلى وحدة وطنية ورؤية قادرة على تحويل اللحظة التاريخية إلى مشروع تحرر حقيقي.لكن في المقابل، فإن على إسرائيل أن تدرك أن استمرار الاحتلال ليس ضمانة لبقائها، وأن تحويل فلسطين إلى قضية أمنية دائمة لن يلغي حقيقتها السياسية والإنسانية.قد تصل إسرائيل إلى 2048 وهي أكثر قوة، وقد تصل وهي أكثر انقسامًا، ولا أحد يستطيع أن يكتب التاريخ مسبقًا.لكن المؤكد أن الدولة التي تحتفل بمئويتها لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والصواريخ التي تمتلكها، بل بقدرتها على تحقيق الاستقرار والعدالة والتماسك، وبقدرتها على التعامل مع الشعوب التي تعيش معها باعتبارها قضية سياسية لا مشكلة أمنية مؤجلة.فربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل ستسقط إسرائيل قبل 2048؟السؤال الأكثر إزعاجًا هو: هل تستطيع إسرائيل أن تصل إلى 2048 بالسياسات نفسها التي أوصلتها إلى أزماتها الحالية؟التاريخ لا يقدم مواعيد مسبقة لسقوط الدول، لكنه يقدم تحذيرًا واضحًا: حين يصبح الاحتلال مشروع الدولة، والحرب وسيلة بقائها السياسي، والانقسام وقودها الداخلي، فإن الخطر لا يعود فقط فيمن يقف على حدودها... بل في المرآة التي ترفض أن تنظر إليها.
إسرائيل قبل المئوية.. هل بدأ العدّ التنازلي من الداخل؟
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)