الثّلاثاء 08 سبتمبر 2026 9:02 صباحًا - بتوقيت القدس
في محاضر الجنود، لكل رصاصة رقم، وللجريمة وقت، وللمكان إحداثيات. هناك، تختصر الحياة في سطر، والموت في خانة، والإنسان في رقم. يكتبون من أين دخلوا، ومن أين أطلقوا النار، كم أصابوا، وكم ارتقوا. ثم يغلق المحضر، كأن شيئا لم يبق بعد سقوط الجسد.لكن للحياة محضرا آخر لا يكتبونه. محضر لا تعرفه الخرائط ولا تتسع له اللغة العسكرية؛ لأنه يسجل ما كان قبل الرصاصة، وما كان يفترض أن يأتي بعدها: إنسانا له وجه، وأما تنتظر، وحلم يتشكل، ومستقبلا لم يصل بعد. يسجل قرية لا تقاس بإحداثياتها، بل بما يتركه أهلها في ترابها من أسماء وذاكرة وخطوات.لن يكتب في محضر الجندي أن عمر نعسان لم يكن ذاهبا إلى الموت، بل كان ذاهبا إلى الحياة. أنهى الثانوية العامة بمعدل 91، وسجل في جامعة بيرزيت ليدرس الهندسة. كان قد غادر عالم المدرسة إلى العتبة الأولى من عالم آخر؛ عالم المحاضرات والكتب والاختيارات والأسئلة التي تصنع الإنسان ببطء. كان ينقصه أن يدخل قاعة المحاضرة الأولى، أن يجلس في مقعد لم يعرفه بعد، أن يفتح كتابا، ويخط اسمه على الصفحة الأولى، وربما يتعثر في البداية كما يتعثر كل من يبدأ حياته الجديدة. لكنه لم يصل. جاءت الرصاصة قبل المحاضرة، فاغتالت شاباً كان يتجه إلى المستقبل.والفاجعة ليست أن عمر استشهد فقط؛ بل أنه استشهد قبل أن يعرف من كان يمكن أن يصبح عليه. فالإنسان ليس ما عاشه فقط؛ إنه أيضا ما كان يمكن أن يعيشه. لم يكن عمر مهندسا، لكنه كان في طريقه إلى الهندسة. وكان يمكن أن يكون أبا، أو معلما، أو صاحب بيت، أو الرجل الذي يعود يوما إلى المغير وفي يده شهادة، وفي قلبه حياة بناها لنفسه. كانت أمامه طرق كثيرة، فجاءت الرصاصة وأغلقتها كلها دفعة واحدة. الرصاصة لا تقتل الإنسان وحده؛ تقتل الاحتمالات التي كانت تسكنه.أما خليل أبو عليا، فكان لا يزال في بداية الطريق. طالبا في الصف العاشر، في العمر الذي لا يكون فيه المستقبل قرارا، بل سؤالا مفتوحا. لم يكن يعرف ماذا سيدرس، ولا أي مهنة سيختار، ولا أي طريق سيأخذ. كان يملك شيئا بسيطا لا ننتبه إلى قيمته إلا حين نفقده: حق الحيرة، أن يكبر ببطء، أن يغير رأيه، أن يخطئ، أن يكتشف نفسه، أن يصبح شيئا لم يكن يعرف أنه قادر على أن يكونه. لكنه لم يصل إلى الثانوية العامة ليعرف معدله، ولا إلى الجامعة ليختار تخصصه. كان احتمالا مفتوحا، فجاءت الرصاصة وأغلقت الأبواب قبل أن يعرف أيها كان سيفتح.وهنا تظهر الحقيقة التي لا يعرفها محضر الجندي: الرصاصة لا تصيب الجسد وحده؛ تصيب الزمن. تقطع الخيط بين الإنسان وما كان سيأتيه، وتحول المستقبل من وعد إلى غياب، ومن حياة محتملة إلى سؤال بلا صاحب، لكن الحكاية لا تتوقف عند الشابين.فهما ابنا المغير. والمغير ليست نقطة على خريطة، ولا إحداثية في محضر اقتحام. إنها بيوت تحفظ أصوات أهلها، ومدرسة تعرف خطوات أطفالها، وحقول تحمل تعب أيديهم، وأمهات يربطن أسماء أبنائهن بالمكان كما تربط الجذور بالشجرة. ولهذا لا يبدأ الاقتلاع دائما حين يهدم البيت. أحيانا يبدأ حين يصبح البيت عبئا، والطريق خطرا، والمدرسة قلقا، والحقل مخاطرة، والليل موعدا للخوف، والغد سؤالا ثقيلا. عندها لا يقال للإنسان: ارحل. يكفي أن تصبح الحياة ضيقة إلى الحد الذي يبدو فيه الرحيل خيارا. حين يدفع الإنسان إلى الرحيل، لا تفرغ الأرض من سكانها فقط؛ تفرغ من ذاكرتها أيضا.لهذا، فإن البقاء في المغير ليس مجرد إقامة، إنه موقف. أن تبقى في المكان الذي يراد لك أن تغادره، يعني أن ترفض أن يتحول الخوف إلى أداة لإعادة رسم الجغرافيا. أن تبقى البيوت مأهولة، والمدارس مفتوحة، والحقول مزروعة، والأطفال في طريقهم إلى الصفوف، يعني أن الأرض لم توافق على أن تصبح غريبة عن أهلها.والمغير رغم الفقد، تقول العكس، تشيع أبناءها، ولا تدفن المكان. تبكي، ثم تعود إلى بيوتها. تفقد، ثم تستأنف الحياة. تحمل شهداءها على الأكتاف، ثم تحمل أطفالها إلى المدارس. ليس في ذلك انتصار على الموت؛ فالموت حين يأتي مبكرا لا ينتصر عليه أحد. لكن هناك شيئا يمكن للإنسان أن يرفضه: أن يجعل الموت هو الذي يكتب ما بعده.حتى قاعات المغير الكبرى تحفظ هذا التناقض. قاعات بنيت للأعراس، لاستقبال أي عروسين، وللاحتفال ببدايات جديدة، استقبلت هذا العام من الشهداء أكثر مما استقبلت من للزفاف. المكان الذي كان يفترض أن يعلن عن ولادة حياة جديدة، صار شاهدا على رحيل حياة لم تكتمل. ومع ذلك، لم تتحول القاعات إلى مقابر. بقيت أبوابها تفتح للناس. وكأن المغير تقول إن الموت يستطيع أن يدخل إلى قاعة الفرح، لكنه لا يستطيع أن يمتلك الفرح كله.وحين ارتقى عمر، ابن أم مصرية، لفه أهله بالعلم الفلسطيني والعلم المصري. لم يكن العلمان مجرد غطاء لجسد شهيد؛ كانا اختصارا لحياة اتسعت في موتها: فلسطين، الأرض التي احتضنته، ومصر، الأرض التي جاءت منها أمه.أما خليل، الذي لم يصل حتى إلى سؤال ماذا سأصبح؟، فسيبقى في ذاكرة المغير سؤالا مفتوحا لا يملك الاحتلال حق الإجابة عنه. كان من حقه أن يكبر، أن يحتار، أن يختار، أن يخطئ ثم يبدأ من جديد. وهنا تصبح القضية أعمق من استشهاد شابين. إنها قضية حق الإنسان في الزمن. من منح الرصاصة سلطة أن تقرر متى ينتهي عمر إنسان؟ ومن منح الاحتلال حق أن يختار أي مستقبل يولد، وأي مستقبل يدفن؟ ليست هذه أسئلة سياسية فقط، بل أسئلة تمس جوهر الإنسان: هل يملك أحد حق مصادرة الزمن من إنسان آخر؟ولهذا، فإن الكتابة عن عمر وخليل ليست رثاء. إنها محاولة لاسترداد ما لا يكتبه المحضر. أن نستعيد عمر من الرقم إلى الاسم، ومن لحظة استشهاده إلى السنوات التي سُرقت منه؛ وأن نستعيد حلم الهندسة الذي لم يبدأ، والمقعد الجامعي الذي بقي فارغا، والحياة التي كان يمكن أن تتشكل حوله. وأن نستعيد خليل من عبارة طالب في الصف العاشر إلى السؤال الذي كان يحمله داخله: ماذا سأصبح؟ فالإنسان أكبر من لحظة موته. وخلف كل شهيد مستقبل لم يعش، وخلف كل مقعد فارغ حياة كان يفترض أن تملأه خطوات صاحبه، وخلف كل أم فقدت ابنها زمن طويل من الانتظار لا يستطيع أي محضر أن يسجله.لكن المغير لم ترحل. وهنا تبدأ المرافعة الحقيقية.فالاحتلال يستطيع أن يقتل إنسانا، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده مصير المكان. يستطيع أن يقتحم البيت، لكنه لا يستطيع أن ينتزع من أهله معنى البيت. يستطيع أن يغلق الطريق، لكنه لا يستطيع أن يغلق الطريق إلى الذاكرة. يستطيع أن يعدم ابنا برصاصه، لكنه لا يستطيع أن يمنع أمّا من أن تقول: كان هنا.والبقاء في المغير ليس صمتا أمام الموت؛ إنه رفض لأن يكون الموت مقدمة للاقتلاع. لهذا تتحول ذاكرة الشهداء إلى جذر. عمر يبقى لأن حلمه بقي، وخليل يبقى لأن السؤال الذي قطعه الرصاص لم ينقطع: ماذا كان يمكن أن يصبح؟ وكلما بقي السؤال حيا، بقيت معه الحقيقة التي حاولت الرصاصة أن تمحوها: أن ما حدث لم يكن قدرا طبيعيا، بل حياة انتزعت بالقوة.فقط في المغير، يمكن لقرية أن تحمل أبناءها إلى قاعة بنيت للأفراح، ثم تعود في اليوم التالي لتفتح أبواب الحياة. يمكن لأم أن تدفن ابنها، ثم تتمسك بالبيت الذي كان يعود إليه. يمكن لشاب أن يغيب عن جامعته قبل أن يحضر محاضرته الأولى، ومع ذلك يبقى حلمه بالهندسة حاضرا. ويمكن لطالب في الصف العاشر أن يغادر دون أن يعرف ماذا سيصبح، ويبقى سؤاله أقوى من الرصاصة التي أرادت إغلاقه.أما محضر الجندي، فيسجل ما استطاعت الرصاصة أن تفعله. وهذه السردية تسجل ما لم تستطع أن تفعله. لم تستطع أن تقتلع المغير، لم تستطع أن تمحو أسماء أبنائها، لم تستطع أن تجعل استشهادهم سببا لرحيل من بقي، ولم تستطع أن تقنع الأرض بأن أبناءها كانوا عابرين فيها. هم لم يكونوا عابرين، كانوا منها، وكانت منهم.ولهذا تبقى المغير. لا لأنها لم تنزف، بل لأنها تعرف أن الجرح لا يعني الاستسلام. تبقى لأن الرحيل هو الغاية التي لا تريد أن تمنحها لمن يراهن على الخوف. تبقى لأن كل بيت مضاء، وكل طفل ذاهب إلى مدرسته، وكل شجرة ثابتة في أرضها، وكل أم تروي اسم ابنها، هو نقض حي لفكرة الاقتلاع.وهذا هو المحضر الآخر: عمر كان ذاهبا إلى الجامعة، وخليل كان ذاهبا إلى المستقبل، والرصاصة سبقت الاثنين، لكنّها لم تسبق الأرض، الأرض بقيت، والمغير بقيت، والأسماء بقيت، والحكاية بقيت. وهنا، تحديدا، يفشل الاقتلاع: حين يُغيب الإنسان ويبقى المكان، وحين يتحول الغياب نفسه إلى ذاكرة تحرس البقاء.فقط في المغير... قد يعود الشهيد إلى القاعة التي كان يمكن أن يعود إليها عريسا، لكن القرية لا تعود من جنازته إلى الرحيل. تعود إلى الحياة.وهذه ليست خاتمة الموت، إنها المرافعة الأخيرة في وجهه: استطاعوا أن يستهدفوا أبناء المغير، لكنهم لم يستطيعوا أن يجعلوا المغير بلا أبناء، ولا أن يجعلوا فلسطين بلا ذاكرة، ولا أن يجعلوا الرحيل قدرا.وهذا هو ما لا يكتب في محاضر الجنود.
سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود (11): فقط في المغير
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)