f 𝕏 W
هل تبقى أخلاق حين يُعفى الآخر منها؟

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

هل تبقى أخلاق حين يُعفى الآخر منها؟

الثّلاثاء 08 سبتمبر 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس

أسوأ ما يمكن أن يحدث لأخلاق الإنسان أن يجعلها رهينةً لأخلاق الآخرين. أن تكون محترمًا مع من احترمك، وفيًّا لمن وفى لك، كريمًا مع من أكرمك، ليس اختبارًا صعبًا؛ فهذه أخلاق مريحة يمنحك الآخر فيها سببًا جاهزًا لتكون جيدًا. أما الاختبار الحقيقي فيبدأ حين تُظلم؛ حين يخذلك من وثقت به، وتُقابل نيتك الحسنة بسوء الظن، ويأتيك الأذى من جهة لم تتوقع منها إلا السند، أو يصبح نجاحك عند من يفترض أن يفرح لك مصدرًا لقلقه.ماذا يبقى منك حين لا يعود الآخر جديرًا بأخلاقك؟ هنا تحديدًا تُختبر الأخلاق. فإذا كانت مجرد ردّ فعل، تحولت إلى آلية تبادل: أعطني جيدًا أعطك جيدًا، أسئ إليّ أستعد حقي بالإساءة. وحينها يصبح الإنسان نسخةً من الفعل الذي رفضه، لكنه يمنح نفسه عذرًا جاهزًا: "كنت أردّ عليه". وهذه من أكثر الخدع الأخلاقية شيوعًا: أن نمنح أنفسنا ترخيصًا لفعل ما نرفضه، لأن شخصًا آخر فعله أولًا.لكن الأخلاق ليست ثأرًا مؤجلًا، ولا دفتر حسابات، ولا مرآة تعكس أفعال الآخرين. الأخلاق بصمة مبدأ. لذلك يمكن أن تكون خلوقًا مع من آذاك، دون أن تكون ساذجًا معه؛ أن تسامحه دون أن تعيد إليه مكانته، وتتجاوز أذاه دون أن تمحو ذاكرتك، وتبتعد عنه دون أن تتحول إلى خصم يشبهه.فالتسامح لا يعني فتح الباب من جديد. قد أسامحك، لكنني لا أثق بك. قد أتجاوز ما فعلت، لكنني لا أسمح بتكراره. وقد أغلق الباب بهدوء، لا ضعفًا، بل لأن كرامتي لا تحتاج إلى ضجيج كي تكون كرامة. التسامح لا يلغي الحدود، والحدود لا تلغي الإنسانية، والنسيان ليس شرطًا للتسامح. أن تتذكر ولا تنتقم، وأن تعرف ولا تحقد، وأن تتعلم من الجرح دون أن تصبح أنت جرحًا لغيرك؛ ذلك هو التسامح الناضج. ثم إننا بحاجة إلى مراجعة هوسنا بالمثالية. ليس هناك إنسان كامل؛ نحن نخطئ ونصيب، نغضب ونندم، نتعثر ونحاول. وليست القيمة في امتلاك سجل بلا أخطاء، فهذا وهم وإنما في امتلاك اتجاه أخلاقي واضح: أن تراجع نفسك حين تخطئ وتعتذر حي تسيء، وتحاول إصلاح ما أفسدت. فالأخلاق ليست أن تكون بلا عيوب، بل ألا تجعل عيوبك ذريعةً لإيذاء الآخرين.والأخلاق أيضًا ليست الانطباع الذي نتركه في الناس. فالانطباع قابل للتبدل، والحكم قابل للخطأ، والرواية قد تروى من جهة واحدة. قد يحكم عليك أحدهم من هفوة، وينسى عشرات المواقف التي سبقتها؛ وقد يتعامل مع الصورة التي صنعها عنك، لا معك أنت.وهنا حقيقة قاسية: الناس لا يحكمون عليك دائمًا بما أنت عليه، بل بما يرونه منك، وبما يريدون أن يروه فيك.وقد يكون أقرب الناس إليك أكثر عجزًا عن رؤية نجاحك بصفاء. ليس لأنك آذيته، بل لأن حضورك الناجح قد يضعه أمام غياب شيء في داخله. قد تصبح مرآةً لفشله دون أن تكون قد واجهته بفشله يومًا. والمرآة لا تصنع الفشل؛ إنها تكشفه.لكن علينا، في المقابل، ألا نجعل (الحسد) تفسيرًا جاهزًا لكل اختلاف؛ فليس كل من خالفنا حاقدًا ولا كل نقد حسدًا ولا كل اختلاف مؤامرة.النضج الأخلاقي أن نحتمل احتمالين معًا: أن يكون الآخر مخطئًا في حقنا، وأن نكون نحن مخطئين في فهمه. قد تُساء قراءتك وقد يصدق الناس رواية ليست روايتك، وقد تُختزل سنواتك في زلة واحدة. لكن الإنسان أكبر من أسوأ لحظة فيه، كما أنه ليس مجموع المديح الذي قيل عنه. وقد يحبك أهل الأرض، ويضيق بك أقرب الناس؛ لا لأنك آذيته، بل لأن نجاحك أصبح مرآةً لما لم يستطع أن يحققه. وفي المقابل، قد يجعل الله لك القبول حيث لا تتوقع، لأن في معدنك شيئًا صادقًا يلمسه الناس دون حاجة إلى شرح.لذلك علينا أن نعيد تعريف القوة. القوي ليس من يرد الضربة بأقسى منها، بل من يستطيع أن يقول: لقد آذيتني، لكنك لن تحدد من سأصبح بعد أذاك. سأضع حدًا، سأبتعد، سأحمي نفسي، سأتذكر، لكنني لن أسمح لك أن تسرق أخلاقي مع ما سرقت مني. هذه هي المسافة بين إنسان تقوده مبادئه، وإنسان تقوده ردود أفعاله. فما يفعله الآخرون بك قد يكون امتحانًا لهم، أما ما تفعله أنت بعد ذلك فهو امتحانك أنت.سامح أحيانًا، لا لأن الآخر يستحق دائمًا، بل لأن قلبك لا يستحق أن يقيم إلى الأبد في المكان الذي أوجعه أحدهم. وتذكّر، لا لتصنع من الذاكرة مصنعًا للكراهية، بل لتتعلم، وتحمي حدودك، ولا تكرر الخطأ. وإذا أخطأت، اعترف. وإذا أُسيء إليك، لا تنتقم من العالم كله بسبب شخص واحد. لأن أخطر ما يفعله الأذى بالإنسان ليس أنه يؤلمه، بل أنه يقنعه بأن يصبح نسخةً ممن آذاه.لا نحتاج إلى أن نكون كاملين؛ نحتاج فقط إلى ألا نفقد بوصلتنا كلما اضطربت الطريق. أن تبقى أخلاقك مع من تحب ومن لا تحب، مع من أنصفك ومن ظلمك، لا يعني أنك بلا حدود؛ يعني أن حدودك نفسها لها أخلاق.قد تختلف الروايات حولك، وقد يحبك أحدهم ويكرهك آخر، وقد تُفهم خطأً رغم كل محاولاتك للشرح. اترك للزمن ما لا تستطيع إقناع الناس به، واحفظ لنفسك ما هو أهم من صورتك في أعينهم: أن تنظر إلى المرآة، فلا تخجل من الإنسان الذي صنعتْه بك كل تلك المواقف.فالأخلاق ليست قناعًا نرتديه حين نُرى؛ إنها جزء من تكويننا حين لا يرانا أحد. وما يبقى من الإنسان، بعد أن تسقط عنه الألقاب والصور والروايات، ليس ما قاله الناس عنه، بل الأثر الذي تركه، والطريقة التي اختار بها أن يكون إنسانًا.

هل تبقى أخلاق حين يُعفى الآخر منها؟

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)