f 𝕏 W
"عالأرض"... نحو صندوق للصمود والتنمية المقاومة الشعبية

راية اف ام

سياسة منذ 59 دق 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

"عالأرض"... نحو صندوق للصمود والتنمية المقاومة الشعبية

على المرتفعات ذاتها، حيث كانت تنثر الشمس شعرها على المتوسط، وتُغرِق مستعمرة عطيرت في ظلمة تستحقها، تغيّر المشهد. فمنذ نشرت مقالا بعنوان عالأرض ... مسارات في هوية المكان، مرحبا بهذه المبادرة قبل سنوات، اكتظ الفضاء بعربدة الغزاة، بينما تئن الارض بجبالها ووديانها من خناجر إرهاب المستوطنين، وعبثا لا تُسمَعُ استغاذات الهوية في ظلمة التهويد، إلا من وميض في المدن البعيدة والمحاصرون، وهم يستقبلون اليسير من المدد. فقد تسارعت اعتداءات وإرهاب المستوطنين على الأراض الفلسطينية بوتيرة لم تعد تحتمل المزيد من ا

على المرتفعات ذاتها، حيث كانت تنثر الشمس شعرها على المتوسط، وتُغرِق مستعمرة "عطيرت" في ظلمة تستحقها، تغيّر المشهد. فمنذ نشرت مقالا بعنوان "عالأرض ... مسارات في هوية المكان"، مرحبا بهذه المبادرة قبل سنوات، اكتظ الفضاء بعربدة الغزاة، بينما تئن الارض بجبالها ووديانها من خناجر إرهاب المستوطنين، وعبثا لا تُسمَعُ استغاذات الهوية في ظلمة التهويد، إلا من وميض في المدن البعيدة والمحاصرون، وهم يستقبلون اليسير من المدد. فقد تسارعت اعتداءات وإرهاب المستوطنين على الأراض الفلسطينية بوتيرة لم تعد تحتمل المزيد من التوصيف أو الإستنكار أو الرثاء. لم تعد البؤر الاستيطانية السكنية والرعوية استثناءً عابرا في الأغوار ومسافر يطا وتلال أريحا، بل أضحت شبكة متصلة من نقاط الارتكاز تتحول خلال أشهر إلى طرق على تراب لم يكف يوما عن كونه فلسطينيا، ومناطق نفوذ تبتلع دونما بعد دونم، ومستعمرات جديدة تولد الواحدة تلو الأخرى، وتوسعات لمستعمرات قائمة تُموَّل بالمليارات.

فوفقاً لمنظمة "بيس ناو" الإسرائيلية، بلغ عدد البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية 363 بؤرة حتى نهاية نيسان 2026، أُقيم 212 منها - أي أكثر من 58% - منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية مقاليد الأمر، مقابل 151 بؤرة فقط أُقيمت بين أعوام 1996 و2023. وتفيد مؤسسات "بيس ناو" و"كيرم نافوت" أن هذه البؤر باتت تسيطر فعليا على نحو 98 ألف دونم في المنطقتين "أ" و"ب"، فيما رصد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إقامة 84 بؤرة استيطانية جديدة خلال فترة تقريره الأخيرة وحدها، إلى جانب المضي في اعتماد أكثر من 64 ألف وحدة استيطانية بين القدس الشرقية وبقية الضفة. هذه ليست أرقاما للتذكير، بل مؤشر دامغ على أن ما يجري هو مشروع مؤسسي منظم لخلق وقائع لا رجعة فيها، يستهدف نسف احتمال قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

كنتُ قد كتبتُ حينها عن مبادرة "عالأرض" بحماس من يشهد بارقة أمل. وأعترف أنني كتبتُ يومها مدفوعاً بحماس الاحتفاء، أكثر مما كتبتُ بصرامة السائل: وماذا بعد؟، وجاء الجواب لاحقا من حيث لم أتوقع، لا من التنظير بل من الفعل. ففي قريتي المغير شمال رام الله ودوما جنوب نابلس، حيث أحرق المستوطنون منازل بأكملها في اعتداءات إرهابية، لم تنتظر "عالأرض" اكتمال إجراءات حصر الأضرار الرسمية، بل رمّمت المنازل وأعادت العائلات إليها خلال أربعين يوما فقط، ونجحت المبادرة في ما عجزت عنه مؤسسات كثيرة. وفي خربة اليانون، حيث الثروة الحيوانية عماد الحياة، فقد اتجهت المبادرة إلى رفع كفاءة الإنتاج بدل الاكتفاء بالدعم الإغاثي، وتكرر النهج في مسافر يطا وبيت دجن وسلفيت. ولم يعد الصمود هنا قدرة على الاحتمال، بل قدرة على الاستمرار بكرامة.

توزعت مشاريع المبادرة على عدة قرى واستفادت منهاعشرات العائلات، وهي مشاريع لا تزال رمزية مهما تضخمت، وأقل كثيرا مما يجب توفيره فلسطينياً لعرقلة زحف الاستيطان، الذي أنفقت عليها الحكومة الإسرائيلية وحدها نحو 19 مليار شيكل جديد منذ 2022، لتطوير مئات المستعمرات البشرية والرعوية، إضافة لمضاعفة وزارة الاستيطان إنفاقها بنسبة 122% لتبلغ 764 مليون شيكل بحلول 2026.

في المقابل، ما زلنا بانتظار بروز عشرات المبادرات الممالثة لمبادرة "عالارض" لمد العون والاغاثة والدعم لكل من يستهدفهم إرهاب المستوطنين. وفي الوقت الذي تطحن فيه آلة التهويد أفئدتنا، فإنني أجزم بأن تجربة المغير ودوما واليانون وغيرها ليست إلا البداية، في ظل الحاجة الماسة لكل المبادرات التي يمكن أن تحيي الأمل بالمقاومة الشعبية العملياتية. وفي ظل غياب مسار سياسي فاعل ومؤسسات رسمية قادرة، فإن هكذا مبادرات ليست بديلا عن السياسة فقط، بل السياسة الوحيدة المتاحة فعليا اليوم. ولذلك تستحق هذه المبادرة ومثيلاتها أن نحتفي بها، وهي تواجه عملياً وبراغماتياً مشروع التهويد الاكبر في تاريخ البلاد.

في زحمة الاحتفاء بالمبادرات، لا بد من التساءل بشأن ما يشبه الصمت والغياب عن المواجهة الشعبية السلمية للمستوطنين على الارض، فهم أداة خلق الوقائع المانعة لإمكانية قيام دولة فلسطينية، ومن المفروض أن تقوم الدنيا ولا تقعد بوجههم دفاعا عن مصالحنا الوطنية ومستقبل أطأرضنا وأطفالنا. الاجابة برأيي واضحة تماماً؛ فالمواطن المثقل بأعباء الحياة والقنوط السياسي وانتشار الفساد والمحاباة، ليس بمقدوره المواجهة ودفع ثمنها منفرداً، بدون سند. أما القطاع الخاص فلديه حسابات الربح والخسارة، ومتردد بشأن جدوى الاستثمار في الصمود بدون توفر برنامج وطني للمقاومة الشعبية السلمية يشارك فيه الجميع. أما السلطة الوطنية ومنظمة التحرير، فهما أشبه بالمريض المحتضر، فلا هو راغب بالفناء، ولا قادر على التعافي، وكلاهما تتعاملان مع "عالأرض" ومثيلاتها كأخبار جيدة في أتون الهزيمة، وليس تطورات نموذجية تستحق مباركتها وتبنيها ودعهما لتعميم ثقافة المواجهة، وترسيخ دعائمها.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من راية اف ام

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)