إذا كان مقالنا السابق قد تساءل بمرارة عن المنظومة التي تداوي جراح المداوي النفسي والاجتماعي في غزة ، فإن الإجابة تقتضي منا الغوص في عمق البنية التشغيلية والتمويلية التي تدير هذه الخدمات؛ إذ تعتمد جودة أي خدمة تخص الصحة النفسية والرعاية الاجتماعية على الحالة الذهنية والانفعالية لـلمُقدِّم قبل المُتلقي، وفي الواقع القاسي الذي يمر به القطاع، تبرز إشكالية مهنية واقتصادية عميقة، وهي كيف يُنتظر من أخصائي نفسي أو اجتماعي أن يرمم الهشاشة النفسية للآخرين ويزيل آثار صدمات معقدة في نفوس النازحين والمتضررين، بينما يفتقر هو نفسه لأبسط مقومات الاستقرار المالي والأمان المعيشي؟ إن العائد المادي العادل ليس مجرد تحفيز أو استحقاق مالي طارئ، بل هو ركن أساسي في البنية المهنية لتقديم خدمة إرشادية آمنة ومستدامة.
تتضح المشكلة الأساسية في تحول قطاع الدعم النفسي والإرشاد الأسري إلى مجال رهين للمساعدات والتمويلات المؤقتة التي تراوح عقودها غالباً بين ثلاثة إلى ستة أشهر؛ وهي غير كافية لتدخلات مهنية مكتملة من ناحية، ومن ناحية أخرى لا تلبي المتطلبات المعيشية الأساسية للأسرة أو لتأسيس حياة جديدة، وهذا النموذج التشغيلي الهش يضع الأخصائي تحت تهديد القلق الوظيفي اليومي، ويجعله يعيش حيرة التأقلم مع عقود قشرية ينتهي معها عمله ليعود مجدداً إلى نقطة الصفر ودوامة البحث عن فرصة جديدة، وتتحول استمراريته المهنية إلى صراعات نفسية مستمرة لمجرد الحصول على فرصة عمل.
وتزداد الأزمة عمقاً مع انتشار ظاهرة التطوع القسري والمكافآت الرمزية غير المستقرة، حيث تحول التطوع من محطة تعلم واكتساب خبرة إلى أداة لتقليل التكلفة لدى بعض المؤسسات، مما يُلزم الخريج الجديد بقبول ساعات عمل مجهدة ومجانية بحجة تحصيل الخبرة، ليجد نفسه مكبلاً في حلقة مفرغة تُفرغ المهنة من قيمتها وتؤدي إلى سحق الكفاءات الشابة وإحساسها بالتهميش والاستغلال.
تنعكس هذه الضغوط الاقتصادية والمعيشية تلقائياً وبشكل مباشر على الأداء المهني للأخصائي؛ فالخدمة النفسية تقتضي حضوراً ذهنياً عالياً، واستماعاً فعالاً، وقدرة فائقة على ضبط المشاعر؛ لكن عندما يتعرض المعالج لعجز متواصل عن تأمين متطلبات حياته الأساسية، فإنه يصل سريعاً إلى مرحلة الإنهاك النفسي والاستنزاف المهني، وتتلاشى قدرته على التعاطف الشغوف. كما أن شتات التركيز والتفكير الدائم في كيفية تأمين قوته والتخطيط لمستقبله يستنزف جزءاً كبيراً من نشاطه الذهني، مما يقلل من جودة الجلسات العلاجية وقدرته على الاستغراق في تقييم الحالات المعقدة التي ينقلها المستفيدون.
ينقلنا هذا الواقع إلى البعد الإنساني المتمثل في حق الأخصائي كإنسان في تأسيس حياته وتحقيق الأمان الوظيفي والاستقرار الاجتماعي؛ فالخريجون الجدد في مجالات الخدمة الاجتماعية وعلم النفس بحاجة إلى مسار تشغيلي واضح يضمن لهم الاستقلال المالي وبناء أسرة مستقلة وتأمين احتياجاتها، وإن اقتصار الفرص المتاحة على البرامج المؤقتة يُنتج تبعات خطيرة؛ أولها عزوف الكفاءات المتميزة واضطرارها للتحول نحو مجالات عمل أخرى لا تمت لتخصصهم بصلة لتأمين دخل مالي، مما يفقد القطاع المهني كوادر مدربة ومؤهلة، وثانيها تأخير الاستقرار الأسري والاجتماعي للشباب الخريجين، مما يضاعف معدلات القلق والضغط الاجتماعي الواقع عليهم، إضافة الي غياب بيئة الإشراف المهني والتفريغ النفسي الدوري التي تقيهم الوقوع في مصيدة الصدمة الثانوية، أثناء استماعهم لأهوال الحرب ومعاناة الضحايا.
أخيراً، إن التعامل مع البرامج النفسية والاجتماعية كمشاريع إغاثية طارئة تعتمد على الجهد التطوعي يضر باستدامة هذه الخدمات برمتها، ولكي تتحول هذه المهن إلى قطاع حيوي قادر على تلبية احتياجات المجتمع في غزة، يجب تغيير طريقة التعاطي معها من منظور إحساني إلى منظور استثماري تنموي. ويتطلب ذلك من المؤسسات المانحة، والمنظمات غير الحكومية، والجهات الرسمية، الاعتراف بأن الأجر العادل، وتوفير حد أدنى من عقود التشغيل المستدامة، وإدراج بند الإشراف والتفريغ النفسي للأخصائيين، ليس خطة طارئة أو رفاهية، بل هو الشرط الأساسي لضمان سلامة الخدمة واستمرارها، وحماية الكادر من الاستنزاف، وتحقيق الاستقرار الذي يحتاجه كل إنسان لبناء حياته ومجتمعه بصلابة وأمان.
التعليقات (0)