الإثنين 07 سبتمبر 2026 9:11 صباحًا - بتوقيت القدس
لا تحتاج إلى أن تكون فلسطينيا كي تفهم معنى ان تبحث عن ابنك تحت الركام، ولا تحتاج إلى ان تنتمي إلى دين او عرق او حزب او قومية، ولا ان تحفظ نصوص القانون الدولي، فيكفي ان تكون انسانا لتعرف ان شئيا شديد القسوة يحدث، حين تتحول مهمة الاب او الام من انتظار عودة الابن إلى البحث عن رفاته بين الحجارة. في غزة، شيعت امس الأول جثامين مئة شهيد انتشلت من تحت أنقاض "برج المهندسين" في مخيم النصيرات، بعد 1040 يوماً، لم يكن مجرد مبنى، كان مأوى، 350 مدنيا رأوا فيه فرصتهم للنجاة، لكن وحشا، حول المكان إلى كومة من أشلاء ودم. بعد سنوات ما زال الناس يبحثون، مئتا شهيد اخرجوا من تحت انقاض البرج، منهم 73 طفلا و106 نساء، واخرين ما زالوا تحته في ظل صعوبة ازالة الانقاض ونقص المعدات الثقيلة، تخيل للحظة، ليس يوما، بل الف واكثر، وعائلات تعرف ان ابناءها هناك، يرون المكان، يقفون على الاطلال، لكنهم لا يستطيعون الوصول اليهم. اي لغة يمكن ان تصف؟ واي تحقيق وادلة يحتاجه العالم؟ فالاحتلال لا يتوقف عن البحث عن رفات جنود قتلوا قبل عقود، فيصور اعادة احدهم "نصر"، بينما يحرم الفلسطيني من ابسط حقوقه، ان ينتشل رفات ابنائه ويدفنهم، فهناك من يحق له - في نظر هذا العالم - وهناك ام فلسطينية لا يحق لها، وهنا لا تحتاج إلى كثير من السياسة لتفهم، يكفي ان تكون انسانا لتعرف.مشاهد انتشال الجثامين بأبسط الأدوات ليست مجرد صور مؤلمة من حرب لم تنته بعد، وفي مكان ما من العالم، بل دليل إدانة قائم، على حجم الجريمة، وما حدث لمدنيين احتموا في ذلك المكان، فماذا يحتاج الباحثون عن الحقيقة من أدلة اكثر من ذلك؟ وعائلات تنتظر معدات ثقيلة كي تتمكن من دفن ابنائها، تلك وصمة عار في جبين البشرية، وانسانيتها الزائفة المسيسة.اذا لم تكن هذه الوقائع كافية لإثارة الأسئلة، فما الذي يكون؟ جريمة واحدة، في مبنى واحد، تكشف هذا القدر من الموت، فكيف يمكن تصور الجريمة بحق تسعين الفا، انه ليس رقما مجردا، فكل رقم يحمل اسما، وكل اسم كانت له حياة، بيت واصدقاء، وام وربما اطفال.المشكلة ان الارقام عندما تصبح كبيرة، تفقد قدرتها على الصدمة، وهذا بالضبط ما يجعل انتشال طفل بعد سنوات اكثر قدرة على كشف الحقيقة من عشرات التقارير، فهو يقول ما تحاول السياسة إخفاءه، وركام يحفظ ما تنكره البيانات، فبالنسبة للفلسطينيين، انتشال الجثامين ودفنها ليس مجرد اجراء ولا طقس ديني ينتهي باغلاق القبر، بل قيمة انسانية ووطنية ودينية، ان تعثر على ابنك يعني ان تعيده إلى اسمه، وان تدفنه يعني ان تمنحه مكانا معروفا في الارض، وان يكون له قبر يعني ان يبقى شاهدا على انه كان هنا، فالقبر اكثر من مثوى اخير، وثيقة وجود، وانه عاش على هذه الارض، له اسم وعائلة وحكاية، لهذا يصبح البحث عن الرفاة جزء من معركة الذاكرة، ليس لان الفلسطيني يحب الموت، بل لأنه يعرف قيمة الحياة، وان الانسان يستحق الكرامة، حتى بعد موته.في غزة، ما زال هناك من يبحث، لا يريد اكثر من جثمان يعرفه، واسم يوضع على قبر، ومكان يستطيع زيارته، طلب بسيط إلى حد "الخجل"، ان تجد ابنك وتدفنه، وتعرف اين يرقد.لا تحتاج إلى ان تكون فلسطينيا او تتفق معه سياسيا كي تفهم، ولا ان تعرف تاريخ الصراع كله كي تدرك، يكفي ان تكون انسانا لتعلم ان تحت ذلك الركام جرائم، وخلف كل جريمة مجرمين، يدبون فوق الارض آمنين مطمئنين، وان وراء كل رفات عائلة انتظرت اكثر مما ينبغي.
يكفي أن تكون إنسانا لتعرف!
د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)