f 𝕏 W
عندما تتخرج الشهادة قبل صاحبها

جريدة القدس

سياسة منذ 51 دق 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

عندما تتخرج الشهادة قبل صاحبها

الإثنين 07 سبتمبر 2026 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس

كان يحمل شهادته بيد وصورة التخرج باليد الأخرى. قبل أسابيع فقط وقف على المنصة وسط التصفيق. ارتدت أمه اجمل ما لديها. وبكى والده بصمت وهو يراه يصل إلى اليوم الذي انتظرته العائلة سنوات. ثم جلس الشاب في مقابلة عمل وسأله المسؤول عن حل مشكلة لم يرها في كتاب. صمت. حاول أن يتذكر الصفحة المناسبة فلم يجدها. لم يكن السؤال عن تعريف أو قانون. كان موقفا ناقص المعلومات يحتاج إلى تقدير وتعاون وقرار. خرج من الغرفة وهو يحدق في الشهادة كأنها وصلت إلى خط النهاية قبله.هذه ليست قصة عن شاب فاشل. وقد لا تكون قصة عن جامعة فاشلة. هي صورة لفجوة تتسع حين يتعلم الطالب كيف يجيب ولا يتعلم كيف يسأل. وحين ينجح في امتحان واضح ثم يواجه حياة لا تقدم اسئلتها في ورقة مرتبة. عندها نكتشف أن التخرج الاكاديمي لا يعني دوما اكتمال الاستعداد للعمل أو للحياة. فقد تتخرج الشهادة ويبقى صاحبها في حاجة إلى أن يتعلم كيف يستخدم ما يعرف.تزداد المسألة ثقلا لأن العالم المهني يتحرك بسرعة يصعب على الخطط الجامعية ملاحقتها. يتوقع تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2025 أن تؤدي التحولات التقنية والاقتصادية والديموغرافية والبيئية إلى خلق نحو 170 مليون وظيفة وإزاحة نحو 92 مليون وظيفة حتى عام 2030. ويتوقع التقرير تغير 39 بالمئة من المهارات الاساسية المطلوبة في العمل. هذه ارقام تقديرية مبنية على توقعات جهات توظيف وليست نبوءة مغلقة. لكنها ترسل رسالة لا يصح تجاهلها. الاداة التي يتقنها الطالب اليوم قد تتبدل. أما قدرته على التعلم من جديد فستبقى.المشكلة ليست أن الجامعات لا تقدم معلومات كافية. كثير من البرامج تمنح طلابها معرفة عميقة يحتاجها المجتمع. والمشكلة ليست في كل امتحان. فالاختبار قد يقيس جانبا مهما من الفهم حين يصمم بعدل. الخلل يبدأ عندما تصبح المعرفة منفصلة عن الفعل. وعندما يتحول المعدل إلى الدليل الوحيد على الجدارة. عندها يمكن لطالب أن يحفظ نظرية كاملة ولا يستطيع شرحها لغير المتخصص. ويمكن أن يعرف خطوات البحث العلمي ولا يميز بين مصدر موثوق ومعلومة جذابة بلا دليل. ويمكن أن يحصل على علامة مرتفعة في العمل الجماعي من دون أن يتعلم كيف يدير خلافا حقيقيا.منطق القاعة التقليدية يحب السؤال المغلق. له وقت محدد وإجابة متوقعة ومصحح يعرف ما يبحث عنه. أما الواقع فلا يعمل بهذه الطمأنينة. في العمل تختلط التخصصات وتتعارض المصالح وتنقص البيانات. وقد يكون القرار مطلوبا قبل اكتمال الصورة. هنا لا تكفي الذاكرة وحدها. يحتاج الخريج إلى حكم مهني ومرونة واخلاق وقدرة على الإصغاء. ويحتاج قبل كل ذلك إلى الشجاعة كي يعترف بأنه لا يعرف ثم يبدأ في التعلم.لهذا تضع بوصلة التعلم 2030 الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فاعلية المتعلم ورفاهه إلى جانب المعرفة والمهارات والمواقف والقيم. صورة البوصلة مهمة. الطالب لا يحتاج إلى طريق محفوظ لكل موقف. يحتاج إلى ما يساعده على تحديد اتجاهه حين يدخل أرضا لم يزرها من قبل. كما يضم تعريف اليونسكو لمهارات القرن الحادي والعشرين الابداع والتفكير الناقد وحل المشكلات واتخاذ القرار والتواصل والتعاون والتعلم كيف نتعلم والمسؤولية الشخصية والاجتماعية. هذه ليست زينة لغوية تعلق على جدار الجامعة. هي قدرات لا تنمو بالمحاضرة وحدها.لكن الحذر واجب. لا ينبغي أن تتحول الجامعة إلى مصنع سريع لتلبية كل طلب يرسله سوق العمل. فالوظيفة التي تطلبها شركة اليوم قد تختفي غدا. كما أن السوق ليس مرجعا اخلاقيا كاملا. قد يكافئ السرعة على حساب العدالة. وقد يريد موظفا ينفذ أكثر مما يفكر. ورسالة الجامعة أوسع من إعداد يد عاملة. هي تبني باحثا ومهنيا ومواطنا قادرا على مساءلة العمل نفسه. ليس النجاح أن يجد الخريج وظيفة فقط. النجاح أن يعرف ما الذي يفعله داخلها ولماذا يفعله ومن سيتأثر بقراره.هنا تظهر فجوة أخطر من البطالة. قد تنتج الجامعة خريجا ممتثلا. أمضى سنوات يبحث عن الاجابة التي ترضي الاستاذ ثم دخل العمل يبحث عن الجملة التي ترضي المدير. يتقن تنفيذ المطلوب لكنه لا يسأل إن كان المطلوب يعالج المشكلة الصحيحة. قد تطلب مؤسسة منصة رقمية بينما تكون مشكلتها في إجراء معقد. وقد يطلب مستشفى نظاما ذكيا بينما يكون الخلل في التواصل بين العاملين. القيمة الحقيقية لا تبدأ دائما من سرعة الحل. تبدأ من القدرة على إعادة تعريف المشكلة.ولا يجوز بعد ذلك أن نضع الحمل كله على كتف الخريج ونقول له طور نفسك. فرص التدريب ليست متساوية. بعض الطلبة يملكون لغة وشبكات مهنية ووقتا يسمح لهم بالتدرب بلا مقابل. وبعضهم يعمل كي يكمل دراسته ولا يعرف شخصا واحدا يفتح له باب التجربة. حتى قياس المهارات الناعمة قد ينحاز لمن تعلم منذ طفولته كيف يتحدث بثقة أمام اللجان. لذلك فالفجوة مسؤولية مشتركة. الجامعة تصمم خبرة التعلم. وجهة العمل توفر التدريب العادل. والسياسات العامة تحمي تكافؤ الفرص. والطالب يبادر ويواصل التعلم.الذكاء الاصطناعي جعل السؤال أكثر الحاحا. هو قادر على تلخيص النصوص واقتراح الحلول وإنتاج اجابات سريعة. لكنه لا يتحمل وحده مسؤولية ما يقترحه. لا يعرف الغاية الانسانية من القرار ولا يعيش أثره في الناس. لهذا لا تصبح المعرفة عديمة القيمة في عصره. تصبح أعمق. يحتاج الطالب إلى معرفة تجعله يراجع مخرجات الآلة ويكشف خطأها ويتحقق من مصدرها ويعرف متى يستخدمها ومتى يرفضها. المشكلة ليست أن يتعلم الطالب مع الذكاء الاصطناعي. المشكلة أن يفوضه في التفكير ثم يوقع باسمه على القرار.ما الذي يمكن للجامعة أن تفعله؟ لا يكفي أن تضيف مساقا يحمل اسم مهارات المستقبل ثم تترك بقية المقررات كما هي. المطلوب أن يدخل الواقع إلى قلب التعلم. مشروع حقيقي بدلا من مثال مصطنع. مشكلة مفتوحة بدلا من سؤال يملك حلا واحدا. ملف إنجاز يظهر ما يستطيع الطالب فعله بدلا من كشف درجات لا يروي إلا جزءا من القصة. عرض شفهي يكشف قدرته على شرح فكرته. وتأمل مكتوب يجعله يراجع قراره وخطأه. كما تحتاج الجامعات إلى شراكات عادلة مع المجتمع وجهات العمل وإلى تطوير مستمر لاعضاء الهيئة التدريسية. من الصعب أن نطلب من الاستاذ بناء تعلم مبتكر إذا كانت المؤسسة تقيس عمله بعدد المحاضرات فقط.مع ذلك لا يوجد قالب واحد يصلح لكل تخصص. التفكير في الطب ليس هو نفسه في الادب. والابداع في الهندسة لا يقاس كما يقاس في الفنون. لذلك يجب أن تترجم كل كلية هذه القدرات بما يحترم طبيعة معرفتها وثقافة مجتمعها. الاصلاح الجيد لا يهدم المعرفة النظرية. يمنحها جسرا إلى الحياة.ذلك الشاب الذي خرج من المقابلة لا يحتاج إلى تمزيق شهادته. يحتاج إلى فرصة تعيد وصل ما تعلمه بما سيعيشه. وتحتاج جامعته إلى سؤال شجاع. هل خرج منا حافظ للمقرر أم انسان يستطيع أن يتعلم حين لا يجد مقررا؟ الشهادة لحظة جميلة ومستحقة. لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية التعلم ولا ستارا يخفي ما ينقصه. الجامعة التي تكتفي بتسليم الورقة تخرج الشهادة. أما الجامعة التي تعلم الطالب كيف يسأل ويجرب ويتحقق ويتعاون ويغير رأيه ويتحمل أثر قراره فهي التي تخرج صاحبها.

عندما تتخرج الشهادة قبل صاحبها

د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)