f 𝕏 W
من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة

جريدة القدس

سياسة منذ 50 دق 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة

الإثنين 07 سبتمبر 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

لسنوات طويلة، كان الطريق إلى الحياة المهنية يبدو واضحًا: شهادة، ثم وظيفة، ثم سنوات من الاستقرار وكانت الشهادة الجامعية تمثل، في نظر كثيرين، المفتاح الأساسي للعبور إلى سوق العمل، حتى أصبح السؤال الذي يرافق الطالب منذ سنوات دراسته الأولى: ماذا ستعمل عندما تتخرج؟ لكن يبدو أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها. لا يعني ذلك أن الشهادة فقدت قيمتها، ولا أن الوظيفة أصبحت خيارًا قديمًا. فما زال التعليم أساسًا مهمًا، وما زالت الوظيفة بالنسبة لكثيرين مصدرًا للاستقرار والخبرة والدخل. لكن ما تغير هو أن سوق العمل نفسه أصبح أضيق من أن يستوعب الجميع بالطريقة التقليدية. ومن واقع عملي في الموارد البشرية على مدى عشر سنوات، أرى هذا التغير يوميًا في الطريقة التي يتنافس بها الناس على الفرص، وفي الطريقة التي تبحث بها المؤسسات عن الأشخاص. لم تعد الشهادة وحدها كافية لتشرح قيمة صاحبها، كما أن انتظار إعلان الوظيفة لم يعد الطريق الوحيد للوصول إلى فرصة. وفي فلسطين، حيث تتزايد أعداد الخريجين، وتقل فرص العمل، ويمر الاقتصاد بظروف صعبة، تصبح الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم العمل أكثر إلحاحًا. هنا تظهر فكرة صناعة الفرصة.لا تعني صناعة الفرصة أن يصبح الجميع أصحاب مشاريع، ولا أن نتخلى عن الوظيفة. معناها أن ينظر الإنسان إلى ما يعرفه ويجيده باعتباره قيمة يمكن أن يقدمها، لا مجرد مهارة يحتفظ بها في سيرته الذاتية قد تكون هذه القيمة في التصميم، أو المحاسبة، أو الترجمة، أو البرمجة، أو كتابة المحتوى، أو إدارة الحسابات، أو في خبرة متخصصة اكتسبها الإنسان من عمله. وفي كثير من الأحيان، لا تبدأ الفرصة بوظيفة معلنة، وإنما بحاجة موجودة لدى شخص أو مؤسسة، ويستطيع أحد ما أن يقدم لها حلًا. قد تبدأ بمهمة صغيرة، أو خدمة متخصصة، أو عمل عن بُعد، أو عميل واحد. المهم أن تتحول المهارة من شيء نملكه إلى شيء يمكن أن نُعرّف الآخرين بقيمته وهنا تحديدًا تظهر أهمية (العلامة الشخصية). بعيدًا عن مفهوم الشهرة وعدد المتابعين، العلامة الشخصية هي ما يرتبط باسمك في ذهن الآخرين. المجال الذي يعرفونك به، والمهارة التي يثقون أنك تتقنها، والقيمة التي يتوقعونها منك. قد لا يعرفك آلاف الأشخاص، لكن معرفة عدد محدود من الأشخاص المؤثرين في مجالك بقدرتك على تقديم شيء محدد قد تكون كافية لفتح باب مهني جديد. فالفرص لا تأتي دائمًا من إعلان وظيفة. أحيانًا تأتي من شخص يعرف ما تستطيع فعله، فيرشحك لغيره، أو من عميل سابق يعود إليك، أو من جهة رأت عملك قبل أن تحتاج إليك. وهذا هو الفرق بين أن تكون باحثًا عن فرصة، وأن تكون حاضرًا عندما تظهر الفرصةلكن صناعة الفرصة لا تعني تقديم صورة مثالية عن سوق العمل الفلسطيني. الواقع أكثر صعوبة من ذلك . لدينا أعداد كبيرة من الخريجين، وسوق محدود، ووظائف روتينية لا تتوسع بالسرعة التي تتوسع بها أعداد الباحثين عنها. كما أن الظروف الاقتصادية الراهنة جعلت الوصول إلى فرصة مستقرة أكثر تعقيدًا لذلك ،لا أعتقد أن الحل هو أن نقول للشباب: اصنعوا مشاريعكم الخاصة، وكأن المشكلة يمكن حلها بإرادة فردية فقط. ولا أن نطلب من الجميع أن يسلكوا الطريق نفسه. الحاجة اليوم إلى توسيع مفهوم العمل نفسه. أن تبقى الوظيفة خيارًا، لكن لا تكون الخيار الوحيد. أن يكون العمل الحر مسارًا لمن يناسبه، وأن تتحول المهارة إلى خدمة، والخبرة إلى قيمة، والحضور المهني إلى وسيلة للوصول إلى فرص لم تكن ظاهرة من قبل. وهذا التغيير لا يخص الباحثين عن عمل وحدهم. المؤسسات أيضًا بحاجة إلى أن تنظر إلى المواهب بطريقة أوسع؛ إلى ما يستطيع الشخص أن يضيفه فعلًا، لا إلى ما تقوله الأوراق عنه فقط. أما الفرد، فمسؤوليته أن يبني شيئًا يمكن للسوق أن يراه ويحتاج إليه. وهنا قد يكون التحدي الحقيقي أمام جيل جديد من الفلسطينيين ليس فقط نقص الوظائف، بل استمرار التفكير في المسار المهني بالطريقة القديمة نفسها. لقد اعتدنا أن تبدأ الحياة المهنية من وظيفة، وأن يكون اسم الشركة هو الدليل على قيمتنا، وأن تكون السيرة الذاتية هي الوسيلة الأساسية للتعريف بأنفسنا. لكن السوق الذي ندخله اليوم أصبح أكثر انفتاحًا من ذلك، حتى مع كل القيود والصعوبات التي تحيط به. قد لا نستطيع تغيير حجم السوق، ولا خلق آلاف الوظائف بقرار واحد. لكن يمكننا أن نوسّع المساحات التي يتحرك فيها الإنسان داخل هذا السوق، وأن نمنحه فرصة لأن يُعرف بما يستطيع أن يقدم، لا فقط بما يحمل من شهادة. في النهاية، ليست صناعة الفرصة بديلًا عن الوظيفة، ولا الشهادة عائقًا أمامها. هي طريقة مختلفة للنظر إلى المسار المهني؛ طريقة تجعل الإنسان أكثر قدرة على التحرك عندما لا تأتي الفرصة بالشكل الذي اعتاد انتظاره. فالوظيفة قد تكون فرصة تأتيك، أما القيمة التي تبنيها لنفسك، فقد تكون هي التي تقود الفرصة إليك.

من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة

د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)