f 𝕏 W
مسيحيو فلسطين.. نزيف ديموغرافي يتطلب خطة إنقاذ

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

مسيحيو فلسطين.. نزيف ديموغرافي يتطلب خطة إنقاذ

الإثنين 07 سبتمبر 2026 9:01 صباحًا - بتوقيت القدس

الأرقام وحدها تكفي لقرع جرس الإنذار، وللهلع والجزع. ففي عام 1946 كان في فلسطين 145,060 مسيحياً فلسطينياً، وفق إحصاءات الانتداب البريطاني. ولم يكونوا يوماً "أقلية دينية" تعيش على هامش المجتمع، بل جزءاً أصيلاً وفاعلاً ومؤثراً فيه، منتشرين في المدن والقرى، في التجارة والتعليم والثقافة والصحافة والسياسة، وفي بناء مؤسسات فلسطين الحديثة حجراً حجراً.واليوم، بعد نحو ثمانين عاماً، يبلغ عددهم في فلسطين التاريخية، بما فيها مناطق 1948، نحو 196 ألفاً. لكن هذا الرقم "المطمئن" نوعاً ما يخفي حقيقة قاسية: نحو 145 ألف مسيحي عربي يعيشون داخل أراضي 1948 ويحملون هموماً ويعيشون واقعاً صعباً وتحديات جساماً بحكم الجغرافيا والديمغرافيا والإقصاء، مقابل ما لا يتجاوز 50 ألفاً في القدس والضفة الغربية، فيما لم يبقَ في غزة سوى نحو ألف إلى 1,200، بعد حرب إبادة دفعت مجتمعها الصغير إلى حافة الانهيار. هذا التفريق ليس تفصيلاً إحصائياً؛ إنه جوهر المأساة.ففي قلب فلسطين المحتلة عام 1967، حيث نشأت أقدم التجمعات الفلسطينية المسيحية، وحيث تقع القدس وبيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور ورام الله وبيرزيت، وحيث كنيسة القيامة وكنيسة المهد وكنائس وأديرة تعود جذورها إلى القرون الأولى للمسيحية، انكمش الوجود المسيحي إلى نحو 50 ألف إنسان فقط.ولا يمكن تفسير ذلك بأنه هجرة طبيعية أو مجرد تغير في أنماط الحياة وانخفاض معدلات الإنجاب. إنه حصيلة تاريخ طويل من الاقتلاع والتفتيت بدأ بالنكبة، واستمر بالاحتلال الإسرائيلي عام 1967، ومصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والجدار والحواجز، والقيود على الحركة، وعنف المستوطنين، وتراجع الاقتصاد الفلسطيني، وصولاً إلى الحرب والدمار في غزة. ولا ينبغي بتاتاً إغفال فشل المحاولات المتكررة لتعريب قيادة الكنيسة الفلسطينية، وما تركه ذلك من أثر على الهجرة وشعور قطاعات من المسيحيين بحالة اغتراب. أمست الأرض أصعب للعيش، والحركة أصعب، والعمل أصعب، وامتلاك الأرض وبناء البيت أصعب، والوصول إلى القدس أصعب، وبدأ الجيل الشاب يشعر شيئاً فشيئاً بأن مستقبله في مكان آخر.وهذا ما يحدث في بيت لحم، على سبيل المثال. فقد نقل تقرير عام 2025 عن الناشط المسيحي عزيز عازازيان أن 160 عائلة مسيحية غادرت منطقة بيت لحم خلال عامين، فيما تقدمت 400 عائلة أخرى بطلبات للهجرة. وفي مقابلة لاحقة، تحدث عالم اللاهوت الفلسطيني القس متري الراهب عن مغادرة أكثر من 200 عائلة خلال العامين نفسيهما.هذه ليست أرقاماً باردة. كل عائلة تغادر تترك وراءها منزلاً ومهنة وأطفالاً ومدرسة وكنيسة وشبكة علاقات، ومجتمعاً يصبح أصغر وأقل قدرة على إعادة إنتاج نفسه. وإذا استمر عدد المسيحيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، والبالغ نحو 50 ألفاً اليوم، في التراجع بمعدل صافٍ يتراوح بين 1 و2% سنوياً، فقد ينخفض إلى 25 ألفاً خلال سنوات ليست ببعيدة، وربما أسرع إذا تسارع النزيف. عندها لن يكون الحديث عن "تراجع" فحسب، بل عن تدهور ديموغرافي يصعب عكسه.والمفارقة أن هناك ما يقارب 300 ألف فلسطيني مسيحي يعيشون خارج فلسطين (ملاحظة: قمت بإسقاط ديموغرافي تقريبي مبني على عدد المسيحيين الفلسطينيين قبل النكبة، وافتراض متوسط 2.5 طفل للأسرة عبر الأجيال حتى يومنا). ثلاثمائة ألف إنسان من أصل فلسطيني مسيحي يمكن أن يكونوا قوة إنقاذ حقيقية، لكن ذلك يحتاج إلى تحويل الشتات من جمهور متعاطف إلى شريك.والمطلوب: صندوق فلسطيني عالمي للوجود المسيحي، يساهم فيه الشتات والكنائس ورجال الأعمال والمؤسسات الفلسطينية، ويمول إسكان العائلات الشابة، والقروض الميسرة، والمنح التعليمية، والمشاريع الصغيرة وفرص العمل (ليس صندوق إغاثة، بل صندوق بقاء واستثمار).شبكة استثمار تربط أصحاب رؤوس الأموال والمهنيين الفلسطينيين في الولايات المتحدة وأوروبا وأميركا اللاتينية وأستراليا والعالم العربي بمشاريع محددة في بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور والقدس. يمكن لفلسطيني في شيكاغو أو سانتياغو أو سيدني، مثلاً، أن يمول مشروعاً في بيت لحم أو يوفر وظيفة لشاب فلسطيني عن بُعد؛ فالوظيفة أهم من المنحة، والسكن أهم من الخطابات الرنانة.إطلاق برنامج إسكان للعائلات الشابة، وصناديق لتمويل الأعمال والتكنولوجيا والسياحة والخدمات، وصندوق دائم للمدارس المسيحية والجامعات، وشراكات تتيح للطلاب التدريب في الخارج ثم العودة، بدلاً من أن تتحول كل منحة إلى طريق هجرة بلا عودة.إطلاق برنامج "العودة المؤقتة" للأطباء والمهندسين والأساتذة ورجال الأعمال والفنانين في الشتات، ليقضوا أشهراً في فلسطين يعملون ويدرّسون ويستثمرون وينقلون خبراتهم. ليس المطلوب أن يعود الجميع نهائياً؛ المطلوب أن يبقى الشتات امتداداً للمجتمع لا بديلاً عنه.والمطلوب للقدس، وبصورة خاصة:برنامج للسكن وحماية المؤسسات والمدارس ومساعدة العائلات على مواجهة الضغوط العقارية والاقتصادية. القدس ليست فقط قضية الوصول إلى كنيسة القيامة في العيد، بل أن يبقى الفلسطيني المسيحي يعيش حولها طوال العام.المسيحيون الفلسطينيون يُستدعون كثيراً حين تحتاج فلسطين إلى الحديث عن التسامح والتعددية والتعايش، ثم يُتركون وحدهم أمام أسئلة الأرض والسكن والعمل والهجرة ومستقبل أبنائهم. والمؤسسات الدينية المسيحية لم تبنِ حتى الآن مشروعاً ديموغرافياً واقتصادياً يوازي حجم الخطر، فيما تتحمل القيادات الإسلامية مسؤولية مماثلة، لأن بقاء المسيحيين ليس قضية الكنائس وحدها، بل قضية كل فلسطيني.ويمكن للشتات هنا أن يتعلم من تجربة اللبنانيين في المهجر، الذين تحولوا إلى شبكة اقتصادية ومهنية وسياسية واسعة التأثير في بلدهم. فلماذا لا نبني شبكة فلسطينية مسيحية مماثلة، موجهة إلى منع تفريغ البلاد من أهلها؟وهنا لا مناص من انعطافة تتعلق بالاهتمام المتزايد في الولايات المتحدة وأوروبا، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر، بما يتعرض له المسيحيون الفلسطينيون من اعتداءات المستوطنين وقيود وضغوط تدفعهم إلى الرحيل. هذا الاهتمام مهم وضروري، لكنه يحمل خطراً إذا أسيء تأطيره. فحين يُقدَّم المسيحي الفلسطيني باعتباره "مسيحياً مضطهداً" قبل أن يُقدَّم باعتباره فلسطينياً تحت الاحتلال، تتحول القضية من قضية شعب جرى اقتلاعه واحتلال أرضه إلى قضية "أقلية دينية" تحتاج إلى حماية، وكأن المشكلة يمكن حلها بحماية المسيحيين وتأمين الوصول إلى الكنائس، حتى لو استمر الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأرض والتهجير.للمرة المليون يا عالم: المسيحي الفلسطيني ليس ضيفاً مسيحياً في فلسطين، ولا حارساً لمواقع مقدسة يمكن الاستغناء عن وجوده بمجرد الحفاظ على الحجر. هو فلسطيني، كما كان أبوه وجده وجد جده من قبله، وجزء لا يتجزأ من تاريخ هذه الأرض وشعبها. نقطة وآخر السطر.لقد وصلنا إلى لحظة حرجة لا تحتمل المزيد من اللامبالاة وبيانات اللطم والقلق!إذا استمر الحال على ما هو عليه، فقد تبقى الكنائس، وقد تبقى الأجراس، وقد تبقى أسماء القدس وبيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور والطيبة والزبابدة ورفيديا وبيرزيت في كتب التاريخ والسياحة الدينية، لكن فلسطين ستكون قد خسرت شعباً كان جزءاً من روحها وارتحل.

مسيحيو فلسطين.. نزيف ديموغرافي يتطلب خطة إنقاذ

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

رائد محمد الدبعي: المحاضر في قسم العلوم السياسية/ جامعة النجاح الوطنية

د. ســائــد الـكونـــي: وزير الحكم المحلي الأسبق/ ورئيس ديوان رئيس الوزراء الأسبق

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)