الإثنين 07 سبتمبر 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس
مختصر الكلام، لا خيار أمامنا، فإما المواجهة الشعبية السلمية والمؤسسية والسياسية والاقتصادية الشاملة للعدوان الاستيطاني غير المسبوق، في كل مكان محليا ودوليا، أو نُسلِّم بنهاية فعلية للمشروع الوطني الفلسطيني في قادم الأيام.منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، وطوال فترة حكومة نتنياهو الحالية، تشهد الضفة الغربية أكبر موجة استيطان منذ احتلال عام 1967، مما يؤشر لانطلاق قطار الضم الفعلي للضفة الغربية، بانتهاج سياسة تجمع بين تغييرات إدارية وقانونية، وتوسيع المستوطنات القائمة، وإقامة بؤر استيطانية جديدة. فقد أقيمت أكثر من 216 بؤرة استيطانية جديدة، وأُعلنت خطط لبناء ما يزيد على42,785 وحدة استيطانية، وصودرت آلاف الدونمات من الأراضي بأوامر عسكرية وإعلانات "أراضي دولة"، وتم شق طرق جديدة بطول يتجاوز 223 كيلومتراً، وأُعلنت مشاريع إضافية بمليارات الشواكل لتوسيع الشبكة الاستيطانية. وعلى الصعيد الإنساني، تم تهجير ما لا يقل عن225 تجمعاً فلسطينيا رعوياً وبدوياً.بناء على هذه المعطيات، يتأكد مجدداً أن الاستيطان هو صلب وأساس مشروع الضم الفعلي، خاصة وأننا لا نتحدث هنا عن نشاط استيطاني عشوائي أو معزول، بل عن سياسة حكومية ممنهجة تستخدم المستوطنين أداةً لمنع قيام الدولة الفلسطينية، ببسط السيطرة على الأرض وترويع السكان لدفعهم إلى الرحيل، وتصعيد الإرهاب اليهودي المنظم. وقد تم توثيق أكثر من 11,000 اعتداء إرهابي خلال هذه الفترة.أما توسعة المستوطنات القائمة، فالأرقام الإسرائيلية أكثر دلالة، حيث منذ مطلع 2026 وحتى نهاية تموز، أقرّ المجلس الأعلى للتخطيط الإسرائيلي إنشاء ما لا يقل عن 10,500 وحدة سكنية استيطانية جديدة، على مساحة نحو 13 ألف دونم، ضمن 81 مخططاً في مستوطنات قائمة. بالتوازي، رصدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان نشر 15 عطاء استيطانياً خلال الفترة. بالتالي فإنه ما بين تثبيت بؤر كمستوطنات مستقلة، وتوسيع نطاق مجالس إقليمية قائمة، وجميع أشكال السيطرة الأخرى، فإن الاستيطان وحده بات يسيطر اليوم على أكثر من خُمس مساحة الضفة الغربية، منها 88% في مناطق "ج"، والباقي في مناطق "أ. و ب.".بعد هذا السرد القاتم، فإننا نعرف من يدفع الثمن. إنه الشعب الفلسطيني بأكمله، ويتجلى ذلك بانعدام الأمن اليومي، وسرقة مصادر الرزق، والسيطرة على الأراضي الزراعية وتدمير الأشجار والمحاصيل. وتعتبر خربة "التبان" جنوب الخليل نموذجاً حياً على ما تعنيه هذه الأرقام على الأرض، حيث اقتحمتها قوات الاحتلال فجر الأربعاء (2 أيلول 2026)، وهدمت خلال ساعات منازل جميع سكانها وهجَّرتهم، وهي القرية/التجمع رقم 107 التي تُهجَّر بالكامل منذ تشرين الأول 2023. فهل تعلم القيادة الفلسطينية بمختلف مسمياتها وطواقيها؟، وهل حركت ساكناً؟، وما هو موقفها بعيداً عن بيانات الشجب والاستنكار؟، وهل وجَّهت أو قامت بأي جهود ميدانية لاعتراض هذا الغول.إن ما جرى لخربة التبان ليس إلا عيّنة من نمط متكرر جغرافيا على مساحة الضفة. ففي بلدة قصرة جنوب نابلس، المحاصرة ب 19 مستوطنة وبؤرة استيطانية، يتجلى الإرهاب الاستيطاني بأبشع حالاته، ويعبر عن سياسة منظمة ينفذها المستوطنون بتنسيق كامل مع جيش الاحتلال (وتشير بعض التقارير الصحفية أن بعض المستوطنين أنفسهم جنود يتناوبون بين اللباس المدني والعسكري خلال الاعتداءات). وعلى بعد عشرات الكيلومترات شمال شرقي رام الله، تحوّلت قرية المغير إلى ساحة اعتداءات شبه يومية، تجلت ذروتها حتى الآن بهجوم على المواطنين العزل، أسفر عن استشهاد شابين قبل أيام.إن ما يعمّق خطر هذا الإرهاب وينشره، قيام قوات الاحتلال نفسها بتوفير الحماية والغطاء الميداني في الغالبية الساحقة من الحالات الموثقة، عوضاً عن أن تكون رادعا لهذه الأفعال الإرهابية. وإنه نادراً ما يُحاكم مستوطن أو يُدان فعلياً، حتى حين تُوثَّق معلوماته وجرائمه بدقة. ومنذ عام 2023، لا تتجاوز نسبة الإدانات الفعلية بحق المستوطنين المتورطين في اعتداءات موثقة ضد الفلسطينيين 7% من الملفات، على قلتها، ويُغلق الباقي دون لوائح اتهام أو محاكمات.لا يقتصر هذا الإرهاب على ما ورد ذكره، بل يُراكم عليه بأثر اقتصادي على المواطن الفلسطيني العادي، بفقدان الأرض الزراعية، ومصدر الدخل الوحيد لعائلات بأكملها في المناطق الريفية، وتقطيع الأوصال بالطرق الاستيطانية وارتفاع كلفة التنقل والنقل التجاري بين القرى والمدن، والعزل الاقتصادي في مناطق "ج". وبينما تُصنَّف هذه الخسائر في التقارير الدولية كأرقام، فإنها في الواقع اليومي قرى وتجمعات محاصرة وأُُُسر بلا مصدر رزق، ومواطنون مهددون بحياتهم.المفارقة الأخطر، في ظني، ليست في حجم الاستيطان بحد ذاته، بل في غياب أي تفاعل يوازي حجم الخطر، باستثناء بعض المبادرات الشعبية المحدودة. فالفصائل غائبة عن أي فعل، باستثناء اجترار التاريخ وتعظيم المغانم، والمجتمع المدني منقسم على بعضه وغائب مستديم، والقطاع الخاص يتجنب الانخراط بتمويل الفعل السلمي المقاوم، والمواطن مُستغرق بهموم تأمين قوت يومه، والسلطة الفلسطينية مفلسة تقريبا وعاجزة عن اتخاذ إجراءات تحمي المواطنين في بلداتهم، أو تمنع أو تؤخر أو حتى تقلّص وتيرة هذا التوسع والاعتداءات اليومية على ممتلكاتهم وحياتهم. والقيادة تطالب بتفعيل المقاومة الشعبية، بينما لا تستثمر فعليا في دعمها. بالنسبة للسلطة، فإن هذا العجز ليس مجرد قصور إداري، بل هو بنيوي متجذر في الملحق الأمني لاتفاقيات أوسلو ذاتها، نصت على أن الأمن الإجمالي للإسرائيليين بمن فيهم المستوطنون في الضفة الغربية، هو مسؤولية إسرائيلية حصرية، بغض النظر عن تقسيمات (أ، ب، ج)، فيما اقتصرت صلاحيات الأمن الفلسطيني على النظام العام والأمن الداخلي للفلسطينيين أنفسهم فقط. وبموجب هذا التوزيع غير المتكافئ للصلاحيات، لا تملك الأجهزة الأمنية الفلسطينية، حتى في حال ضبط مستوطن متورط في اعتداء داخل مناطق نفوذها الاسمي، أي سلطة قانونية لملاحقته قضائياً أو محاكمته، وإن أقصى ما تبيحه الاتفاقية هو توقيفه ميدانيا بصفته يزعزع الأمن الداخلي، ثم تسليمه إلى الجانب الإسرائيلي وفق آليات التنسيق الأمني. وبرأيي فإن هذا البند تحديداً، لا العجز الإداري وحده، هو ما يفسر لماذا ينحصر رد فعل السلطة عند كل اعتداء استيطاني ببيان إدانة، ليس إلا. في هذا السياق، ألا يشكل إرهاب المستوطنين واعتداءاتهم على قرى وبلدات وأملاك المواطنين حيثما كان تهديداَ لأمن المواطنين، والأمن الداخلي الفلسطيني بشكل عام؟، وكيف يمكن التعايش مع فكرة أن اعتداء أي فلسطيني على الأشخاص أو ممتلكات أي فلسطيني آخر بأنه مس بالأمن الداخلي، بينما لا تتضمن العقيدة الأمنية الفلسطينية ما يشير إلى أن الاعتداء هو اعتداء، بغض النظر عن مصدره.أعتقد أنه لم يعد هناك أي حجة لعدم تصنيف إرهاب المستوطنين حيثما كان، على أنه تهديد للأمن الداخلي الفلسطيني، مما يمكن الأجهزة الأمنية من القاء القبض على المشاغبين/المعتدين وتسليمهم إلى الجانب الإسرائيلي، كما تنص على ذلك اتفاقيات أوسلو. وإن عدم اتباع ذلك، والاستكانة للوضع القائم يعتبر مقامرة خطيرة بمصالحنا الوطنية وكرامة وأمن شعبنا ومستقبله. وإن استمر إرهاب المستوطنين وعربدتهم بدون تدخل ضمن سقف أوسلو لحماية شعبنا، بلا مساءلة سياسية وتنظيمية وشعبية، فإن النظام السياسي بمكوناته، موالاة ومعارضة، يتحمل المسؤولية المباشرة وغير المباشرة عن التسليم بتعريض أمننا الشخصي والجماعي، وفقدان الأرض بالقطاعي.وما يزيد الأمر خطورة أن غياب التفاعل الشعبي والمؤسسي والسياسي حول هذا الملف، رغم أهميته، يعكس تراجعاً خطيراً في تقدير أثره في مستقبل القضية الوطنية ذاتها. وحيث إن القيادة تصرح ليل نهار أنه من حقنا نمارس المقاومة الشعبية، فإنها مطالبة بترجمة تصريحاتها ومواقفها الى برنامج عملي لتصعيد المواجهة الشعبية السلمية والمؤسسية والسياسية والاقتصادية السلمية، لمحاولة منع أو تعطيل الزحف الاستيطاني، ووقف انتشار البؤر الرعوية والتوسع الاستيطاني في مناطق (أ) و(ب) المستهدفة. وإن استمرار الوضع الراهن دون كوابح سيقود، بحسب مراقبين ومنظمات حقوقية محلية ودولية، إلى ما هو أخطر من إدارة أزمة، بل تفكك تدريجي للتواصل الجغرافي في الضفة الغربية، وانتهاء الأمل بالدولة.المفارقة أننا لم نبدأ من فراغ في مواجهة الاستيطان، فدروس التاريخ تذكرنا كيف أدى طوفان الاحتجاج الشعبي بقيادة الراحل بسام الشكعة رئيس بلدية نابلس الأسبق إلى فك مستوطنة ألون موريه من موقعها في روجيب نهاية عام 1979. وقد تم تطوير أدوات تشريعية عام 2010 للتعامل مع ملف الاستيطان وقطع أي علاقة اقتصادية وخدماتية معه، عندما أصدرت السلطة أول تشريع/قانون بشأن حظر ومكافحة منتجات وخدمات المستوطنات، الذي جرّم العمل فيها وتداول واستهلاك وتجارة ونقل منتجاتها بعقوبات تصل إلى الحبس والغرامة، وأُريد منه إحلال المنتج الوطني محلها وضرب اقتصاد الاستيطان من مصدره. غير أن ذلك القانون، ظل إلى حد بعيد جهداً تشريعياً اقتصادياً منفرداً، ولم يُستكمل بمنظومة مؤسسية شاملة توازي تعقيد المشروع الاستيطاني.ثم ماذا؟الدرس المستفاد اليوم أن مواجهة هذا الزحف تحتاج إلى ما هو أبعد من مرسوم واحد أو هيئة تراقب وتوثّق. وبرأيي فإن المطلوب عدد من الخطوات لا تقبل التأجيل:أولاً. مأسسة حقيقية تُعطى فيها قضية الاستيطان أولوية استراتيجية موازية لأولوية إعادة الإعمار والملف السياسي، وليس إدارته بمعالجة موسمية، تستيقظ مع كل تقرير دولي جديد.ثانياً. تفعيل وتعزيز عمل هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بالموارد التي تحتاجها وتخصيص موازنة ثابتة وصرف أكيد ومضمون في مواعيده، وصلاحيات تنفيذية فعلية لتنظيم وقيادة وتفعيل وتكريس الجهود الشعبية والمؤسسية والتنظيمية والفصائلية، لحماية المعتدى عليهم، وتأمينهم من إرهاب المستوطنين واعتداءاتهم. وإن كانت هناك أي جدية لدى القيادة والسلطة، فعليها إثبات ذلك بتمكين هذه الهيئة للتحول من شاهد على الجريمة إلى طرف في مواجهتها.ثالثاً. مواجهة "فصائل العمل الوطني" جميعا باستحقاق الانخراط بالمقاومة الشعبية السلمية، والنبذ الشعبي والرسمي للمستنكفين.رابعاً. يتوجب تفعيل جاد للقرار بقانون رقم (4) لسنة 2010م بشأن حظر ومكافحة منتجات المستوطنات، بعد ستة عشر عاماً كاملة على إقراره دون إنفاذ يوازي نصه، وتصويب الخلل التشريعي بإلغاء نصوص بعض المواد بقرارات إدارية، وعلى رأسها "صندوق الكرامة الوطنية لتمويل التمكين الذاتي ومكافحة وحظر منتجات المستوطنات".خامساً. تكريس حيز كبير لتنشيط التوعية المحلية والإقليمية والدولية، والحشد لتفعيل مقاطعة شاملة للمستوطنات عالميا.سادساً. تفعيل التنسيق الدائم بين هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ووزارت الاختصاص والمؤسسات الحقوقية المحلية، والمؤسسات المختصة لإنتاج قاعدة بيانات موحدة تُحدَّث لحظياً، بدل تقارير متفرقة تصدر كل بضعة أشهر.إن الفرق بين تجربة 2010 الجزئية، وبين بناء منظومة مؤسسية شاملة اليوم، هو تحديداً الفرق بين مواجهة تُبقي الأرض قابلة للاسترداد سياسياً، وأخرى تكتفي بتسجيل خسائرها.خلاصة القول، فإن مسار مواجهة إرهاب المستوطنين ليس خياراً، بل حتمية تقتضيها وتفرضها الاعتداءات، الدموية أحيانا، في كل أنحاء الضفة الغربية. وعلى الرغم من قيود اتفاقيات أوسلو، لن يستطيع أي من السلطة والفصائل وقوى المجتمع المدني، والمجتمع بشكل عام، وقف مسار المواجهة المحتملة، التي لا نعلم مدى توفر الضوابط للحفاظ عليها سلمية. ولذلك فمن الأسلم والأفضل أن تسارع القوى الفاعلة لاتخاذ قرار سياسي وشعبي بتبني مسار المواجهة الشعبية السلمية فعلياً على نطاق واسع، وتوفير مقومات مصداقيتها وانتشارها وجماهيريتها في هذا المجال. ورغم صعوبة ومحاذير هكذا قرار، لا خيارات أمام النظام السياسي الفلسطيني سوى السير فيه، استباقا ومنعا للانزلاق في مستنقع فوضى السلاح والمواجهات غير المنضبطة، وغير الموجهة والمقننة. وبقدر ما هي قرارات مؤلمة للقيادة والفصائل وقوى المجتمع الفلسطيني، لكنها الخيار الوحيد الأقل تكلفة، المتبقي لمحاولة توفير الحماية للمواطنين المحشورين في زاوية "نكون أو لا نكون"، قبل أن تفرض الوقائع على الأرض خياراتها بنفسها، ونغرق جميعاً في وحل "انتفاضة ثالثة"، بإيقاع مدمر للجميع، وقنوط يسوقنا للعمل بشعار "علي وعلى أعدائي"، وأسأل الله أن أكون مخطئاً.المطلوب اليوم ليس بيانات الشجب المعتادة، بل خطة مواجهة اجتماعية واقتصادية وسياسية وشعبية منسقة: من ملاحقة قانونية دولية لمصادر تمويل الاستيطان، إلى دعم صمود المزارعين في المناطق المستهدفة وتحديدا منطقة (ج)، إلى ضغط سياسي منظم يستثمر التقارير الأممية والحقوقية، بدل الاكتفاء بتسجيلها. فالفارق بين مستقبل تُحفظ فيه فرصة الدولة الفلسطينية، وآخر تُبتلع فيه الأرض قطعة قطعة، هو فارق القرار لا فارق الوقائع، فالوقائع باتت موثقة بالأرقام، بما فيها أرقام الاحتلال نفسه، وهي منشورة في كل مكان.الكرة في ملعبنا.
اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي
رائد محمد الدبعي: المحاضر في قسم العلوم السياسية/ جامعة النجاح الوطنية
د. ســائــد الـكونـــي: وزير الحكم المحلي الأسبق/ ورئيس ديوان رئيس الوزراء الأسبق
رولا شنار: رئيسة مجلس إدارة بورصة فلسطين
التعليقات (0)