يقدم كتاب "بين حكمة سقراط وسرد شهرزاد" مجموعة من الدراسات حول تشكيل الرؤيا في مسرح عبدالرزاق الربيعي، باسطاً بين يدي المتلقي قراءة نقدية متعددة المداخل لنصَّين مسرحيين، وخريطة واضحة للعناصر التي تتشكل منها تجربة الربيعي المسرحية.
ويعد الكتاب الصادر حديثاً عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن في أكثر من 200 صفحة، مشروعاً نقدياً يتتبع ملامح التجربة المسرحية للكاتب والشاعر عبدالرزاق الربيعي من خلال أربعة أبحاث متكاملة، تتوزع بين دراسة اللغة والحوار، والمرجعيات الثقافية والتاريخية والأسطورية، والديكور والفضاء السينوغرافي، وصولاً إلى الرؤيا والرؤية واستدعاء المحكي الدرامي الموروثي.
وبحسب المقدمة التي وضعها الباحث العراقي د.بشير سوادي، فإن الكتاب ينطلق من مسرحيتي الربيعي "سقراط" و"التغريدة الأخيرة لشهرزاد"، بوصفهما نصين يفتحان أمام القراءة النقدية أسئلة متعددة حول علاقة المسرح بالفلسفة والأسطورة والتاريخ والحاضر. ويقوم البناء الداخلي للكتاب على الانتقال من العنصر الأكثر حضوراً في النص المسرحي، وهو الكلمة/الحوار، إلى شبكة المرجعيات التي تغذي النص، ثم إلى الفضاء المرئي والديكور، وأخيراً إلى الرؤيا التي تتشكل من تفاعل هذه العناصر معاً.
يتناول البحث الأول المعنون بـ"مسرحة الحوار: اللغة الدرامية وجماليات الأداء" (من إعداد د.بشير سوادي) ثلاثة مباحث رئيسة هي: "بنية اللغة الدرامية وخصوصية الحوار المسرحي"، و"آليات مسرحة الحوار وتحويل الكلمة إلى فعل"، و"جماليات الأداء التمثيلي والتجسيد البصري والسمعي للحوار". وهو يضع الحوار في مركز العملية المسرحية، متجاوزاً النظر إليه بوصفه مجرد تبادل للكلام بين الشخصيات، فالقراءة النقدية تتابع الطريقة التي تنتقل بها الكلمة لدى الربيعي من معناها اللغوي إلى طاقتها الدرامية، بحيث تصبح أداة لتحريك الصراع وبناء الحدث، ومن هنا يتوقف البحث عند البنية الداخلية للّغة الدرامية، ثم ينتقل إلى الآليات التي تجعل الحوار "فعلاً" على الخشبة، قبل أن يبحث في علاقته بالأداء التمثيلي وبما يصاحبه من تجسيد بصري وسمعي".
ويكشف هذا البحث، من خلال قراءة الحوار في "سقراط"، عن انتقالات حادة بين مستويات الكلام، من الحوار الفلسفي الهادئ إلى لغة المواجهة والتحريض، بما يصنع تصاعداً درامياً واضحاً. وبحسب سوادي، تظهر في النص مواجهة بين صوت الحكمة وصوت الجماعة، وصولاً إلى الهتاف بالموت لسقراط، في مقابل لغة تستعيد الهدوء والرؤيا. كما يقرأ هذا البحث التضاد بوصفه جزءاً من الطاقة الدرامية التي تجعل اللغة قادرة على تجسيد الصراع بين الفكر الحر والواقع العنيف.
أما البحث الثاني فحمل عنوان "شبكة المرجعيات: الاستدعاء الدرامي وتمثيل الحكاية" (د.انتصار البكوع)، وتضمن بدوره ثلاثة مباحث هي: "المرجعيات المعرفية والثقافية وتشابكاتها النصية"، و"آليات الاستدعاء الدرامي وتحولات المادة المرجعية"، و"تمثيل الحكاية وتشكيل المتخيل السردي".
التعليقات (0)