تشهد منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط تسارعاً ملحوظاً في إعادة رسم خرائط النفوذ الأمني، حيث يبرز مساران متوازيان يعكسان تحولاً عميقاً في مفهوم الردع الإقليمي. فبينما تدفع تركيا والسعودية وباكستان نحو صياغة ترتيبات أمنية تمنح دول المنطقة هامشاً أوسع للحركة بعيداً عن المظلة الأمريكية التقليدية، تبرز تحركات مقابلة في الجانب الآخر.
في المقابل، بدأت إسرائيل واليونان في بناء منظومة دفاعية واسعة أُطلق عليها اسم 'درع أخيل'، وهي خطوة تعكس تصاعد التنافس مع أنقرة وتحول شرق المتوسط إلى ساحة رئيسية لتثبيت موازين القوة الجديدة. هذا السباق لا يبدو مجرد تحالفات عسكرية عابرة، بل هو محاولة لإعادة تعريف الجهة التي تملك حق صياغة أمن المنطقة وتحديد حدود النفوذ فيها.
وتأتي تحذيرات القيادة التركية من محاولات 'اللعب بخطوط الصدع' لتضيف بعداً استراتيجياً للمشهد، حيث تتداخل الهواجس الأمنية الداخلية مع الطموحات الإقليمية. وتجد القوى الكبرى والإقليمية نفسها اليوم أمام معادلات تتغير بسرعة تتجاوز قدرة التحالفات القديمة على الاستيعاب أو المناورة.
تتجه أنقرة في السنوات الأخيرة نحو توسيع خياراتها الجيوسياسية عبر بناء شراكات تتجاوز الإطار الغربي المعتاد، وتبرز 'اتفاقية مكة للدفاع المشترك' كأحد أهم هذه المؤشرات. هذه الاتفاقية التي ضمت السعودية وباكستان تهدف إلى إيجاد إطار دفاعي يعزز التعاون العسكري بين أقطاب العالم الإسلامي الرئيسية.
إلى جانب هذا التحالف الثلاثي، تنفتح تركيا بشكل متزايد على منظمة شنغهاي للتعاون، حيث أكد الرئيس رجب طيب أردوغان أن بلاده قد تبحث الانتقال إلى العضوية الكاملة في المنظمة. وشدد أردوغان على أن هذا التوجه نحو الشرق يمثل تنويعاً للخيارات الاستراتيجية وليس انسحاباً من الالتزامات الدولية القائمة.
ويرى مراقبون أن تركيا، رغم كونها تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، باتت تدرك أن العضوية في 'الناتو' لا تكفي وحدها لحماية كافة مصالحها الحيوية. هذا الإدراك دفع صانع القرار التركي إلى اعتماد استراتيجية انفتاح أوسع تشمل أبعاداً جيوستراتيجيّة وجيوسياسية تتجاوز الحدود التقليدية للمنطقة المحيطة بها.
التعليقات (0)