f 𝕏 W
خوفنا من الحكم الذاتي أطال عمره

جريدة القدس

فنون منذ ساعة 0 8 د قراءة
زيارة المصدر ←

خوفنا من الحكم الذاتي أطال عمره

الأحد 06 سبتمبر 2026 1:39 مساءً - بتوقيت القدس

لفهم المأزق الفلسطيني الراهن، علينا أن نعود إلى بداية السلطة الفلسطينية، لا لنكرر الجدل حول أوسلو، ولا لنبحث عن لحظة واحدة نحمّلها مسؤولية ما وصلنا إليه، بل لنسأل سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا فعلنا بالمرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تقود إلى الدولة؟قامت السلطة الفلسطينية على فكرة واضحة في أصلها: إدارة مرحلة انتقالية تمهد للانتقال من الاحتلال إلى الدولة. وكان بناء المؤسسات جزءًا ضروريًا من هذا الانتقال؛ فلا دولة بلا مؤسسات، ولا سيادة يمكن أن تُمارس من دون إدارة وقانون وأمن واقتصاد وقدرة على الحكم. لكن هذه الضرورة اصطدمت منذ البداية بخوف سياسي مشروع: ماذا لو تحولت المؤسسات التي نبنيها في ظل الاحتلال إلى مؤسسات فعالة لإدارة الفلسطينيين بدل أن تكون أدوات لبناء الدولة؟ وماذا لو تحول الحكم الذاتي المؤقت إلى واقع دائم؟كان الخوف مفهومًا، لكن المشكلة بدأت عندما تحول من تحذير من خطر محتمل إلى منطق يحكم المرحلة كلها. فقد امتد إلى طريقة بناء السلطة وإدارة مؤسساتها وعلاقتها بمنظمة التحرير، وإلى شكل القيادة وتجدد شرعيتها، وإلى العلاقة بين التفاوض والمواجهة. أصبحنا نخشى من قوة السلطة لأنها قد تكرس الحكم الذاتي، في الوقت الذي كنا نحتاج فيه إلى قوة السلطة كي تجعل الانتقال إلى الدولة ممكنًا. وهكذا نشأ تناقض أساسي: كنا نبني مؤسسة يفترض أن تقود إلى الدولة، لكننا لم نحسم كيف تتحول قوتها من قوة لإدارة المرحلة إلى قوة سياسية ومؤسسية تدفع نحو إنهائها.وكان أحد نتائج هذا الهاجس التردد في بناء مؤسسات فاعلة بالقدر الذي تتطلبه مرحلة انتقالية يفترض أن تنتهي إلى دولة. لم يكن التردد شاملًا ولا يعني غياب المؤسسات، لكنه جعل بعض جوانب البناء المؤسسي والأمني والسياسي أسيرة الحسابات المتعلقة بديمومة السلطة. وفي المقابل، لم يكن الفراغ الذي تركه هذا التردد محايدًا؛ فقد أتاح للقوى المناوئة للمسار السياسي ولعملية السلام أن توسع حضورها، وتبني نفوذها، وتنتج شرعيات ووقائع تنازع السلطة على المرجعية الوطنية. وهكذا أصبح الخوف من أن تتحول السلطة إلى بديل عن الدولة أحد العوامل التي حدّت من قدرتها على أن تكون نواة قوية للدولة.ثم جاء العامل الذي جعل كل هذه التناقضات أكثر استعصاء: الاحتلال لم ينتهِ مع قيام السلطة، بل بقي هو الإطار الذي تعمل داخله. ظلت الأرض والحركة والموارد والاقتصاد والأمن مرتبطة بدرجات مختلفة بسيطرة الاحتلال، فأصبحت السلطة قادرة على إدارة المجتمع أكثر من قدرتها على تغيير الشروط التي تحكمه. ومع مرور الوقت، بدأت الوظائف التي أنشئت بوصفها مؤقتة تتحول إلى مؤسسات وأدوار ومصالح وعلاقات وبيروقراطية ومنطق سياسي مستقر. لم تعد المرحلة مجرد طريق إلى الدولة؛ أخذت تتحول تدريجيًا إلى واقع له حياته الخاصة.وهنا حدث التحول الأخطر: بدل أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى تراكم مستمر للقوة باتجاه الدولة، أصبحت إدارة المرحلة نفسها مشروعًا يحتاج إلى إدارة مستمرة. أخذت السلطة تستهلك قدرًا متزايدًا من الطاقة السياسية والوطنية في إدارة مؤسساتها وأجهزتها وميزانياتها وأزماتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية. لم يتوقف العمل السياسي، لكن مركز الثقل تغير: أصبحت إدارة الواقع أكثر حضورًا من القدرة على تغييره.وكان لذلك أثر أوسع من مؤسسات السلطة نفسها؛ فقد تراجع تدريجيًا عمل التنظيمات والقوى السياسية وحضورها في الحياة العامة. فمع انتقال مركز الثقل السياسي والاجتماعي إلى السلطة ومؤسساتها، تقلصت المساحة التي كانت تشغلها التنظيمات بوصفها أطرًا للتعبئة السياسية، وإنتاج الأفكار، وإعداد القيادات، والرقابة والمساءلة، والتعبير عن مصالح المجتمع. وتحولت قطاعات من العمل التنظيمي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى علاقة بالسلطة بدل أن تكون علاقة مستقلة بها أو رقابة عليها. ومع الوقت، لم يضعف التنظيم السياسي فقط من حيث الحضور، بل ضعفت معه قدرته على إنتاج بدائل وطنية حقيقية، وعلى إعادة تجديد الحياة السياسية من خارج مؤسسات السلطة.وهكذا لم تكن السلطة تستهلك جزءًا من الطاقة الوطنية في إدارة نفسها فقط، بل ساهمت، بحكم تحولها إلى مركز الحياة السياسية، في إعادة تشكيل المجال السياسي كله. تراجعت التنظيمات، وضعفت الوسائط بين المجتمع والقيادة، وانكمشت مساحة العمل السياسي المستقل، وأصبح المشهد أكثر اعتمادًا على السلطة من جهة، وعلى القوى التي تعمل خارجها أو ضدها من جهة أخرى. وبين الطرفين ضاقت المساحة التي يمكن أن تنتج تعددية سياسية وطنية قادرة على التجديد والمراجعة وإعادة بناء الشرعية.وفي الوقت نفسه، استفاد الاحتلال من هذا التحول. فكلما بقيت السلطة مقيدة في الأرض والحركة والموارد، أصبح قادرًا ليس فقط على تعطيل بناء الدولة، بل على التأثير في البيئة التي تُدار فيها السياسة الفلسطينية نفسها. وبذلك لم يعد الاحتلال مجرد قوة تمنع الوصول إلى الدولة، بل أصبح قادرًا على التأثير في شروط الحركة السياسية الفلسطينية. نشأت دائرة مغلقة: الاحتلال يقيد القدرة على التغيير، والسلطة تدير نتائج القيود، وإدارة النتائج تستنزف الطاقة السياسية، وتراجع القدرة على تغيير الواقع يترك للاحتلال مساحة أكبر للتدخل والتأثير.وترافق ذلك مع خلل في العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير. فقد كانت منظمة التحرير الإطار الوطني الجامع وحاملة التمثيل السياسي للمشروع الفلسطيني، بينما كانت السلطة أداة انتقالية لإدارة جزء من الواقع. لكن طول المرحلة قلب هذه العلاقة تدريجيًا؛ فأصبحت السلطة مركز الحياة السياسية واليومية، بينما تراجع الدور العملي لمنظمة التحرير. وهكذا أصبحت المؤسسة التي كان يفترض أن تدير المرحلة أكثر حضورًا من الإطار الذي يفترض أن يحمل المشروع الوطني كله.ومع استمرار المرحلة، ظهرت مشكلة أخرى: النظام السياسي الذي يفترض أن يكون مؤقتًا بدأ يحتاج إلى آليات دائمة للاستمرار، بينما أصبح تجديد الشرعية وإعادة إنتاج القيادة أكثر صعوبة. فالمرحلة الانتقالية لم تعد تُدار باعتبارها طريقًا إلى وضع جديد، بل باعتبارها واقعًا مستمرًا يحتاج إلى إدارة أزماته وإعادة إنتاج نفسه. وكلما طال الزمن، أصبح السؤال عن نهاية المرحلة أكثر صعوبة من السؤال عن كيفية استمرارها.وفي إدارة هذه المرحلة، أبقت القيادة الفلسطينية على مسارين مفتوحين: المسار السياسي والدبلوماسي من جهة، وخيار المقاومة من جهة أخرى. ولم تكن المشكلة في وجود أكثر من أداة؛ فالمشكلة كانت في غياب استراتيجية وطنية واضحة تجعل هذه الأدوات تعمل ضمن تصور واحد للهدف والمرحلة والتوقيت والوظيفة. تحرك المسار السياسي في اتجاه، بينما تحركت قوى المقاومة في اتجاه آخر، وأصبح لكل منهما منطقه وشرعيته وحساباته. ومع الزمن، لم يعد تعدد الأدوات مصدر قوة وطنية، بل تحول إلى ازدواج في إدارة المرحلة، سمح لكل مسار بأن يراكم شرعيته بعيدًا عن الآخر، وفتح المجال أمام القوى المناوئة للمسار السياسي لتصنع وقائعها وتوسع نفوذها.ومن هذه التناقضات جاء الانقسام لاحقًا. ولذلك فإن الانقسام لم يكن أصل المأزق، بل كان إحدى النتائج الأكثر وضوحًا لمسار أطول. فقد تراكمت قبله سلطة بلا سيادة كاملة، ومؤسسات عالقة بين منطق المرحلة ومنطق الدولة، ومنظمة تحرير تراجع دورها العملي، وتنظيمات سياسية تآكل حضورها، وقيادة تواجه أزمة تجدد الشرعية، ومسار سياسي لم ينجح في إنهاء الاحتلال، وقوى تتحرك خارج استراتيجية وطنية جامعة، واحتلال يستفيد من كل هذه الفجوات. وعندما وقع الانقسام، لم يصنع هذه التناقضات من الصفر، بل أعطاها شكلًا سياسيًا أكثر حدة.لهذا لا تُحاكم التجربة من خلال أوسلو وحدها، أو الاحتلال وحده، أو السلطة وحدها، أو فشل المفاوضات، أو المقاومة، أو الانقسام كلٌّ على حدة. ما يستحق المحاكمة هو الطريقة التي أدرنا بها المرحلة الانتقالية نفسها. فقد دخلناها على أساس أنها وسيلة إلى الدولة، لكننا لم ننجح في تحويلها إلى مسار تراكمي ينقلنا، خطوة بعد أخرى، من إدارة الحكم الذاتي إلى ممارسة مقومات الدولة. خفنا من ديمومة الحكم الذاتي، فترددنا في بعض الأحيان في بناء المؤسسات بالقوة التي يحتاجها مشروع الدولة؛ وطالت المرحلة حتى تحولت وظائفها المؤقتة إلى بنية سياسية لها مصالحها وأدوارها؛ وانشغلت السلطة بإدارة الواقع حتى استنزفت جزءًا من الطاقة الوطنية؛ وتراجع عمل التنظيمات والقوى السياسية حتى ضاقت مساحة التجديد والمساءلة والبدائل؛ وأبقينا أدوات سياسية مختلفة من دون استراتيجية وطنية تضبط علاقتها؛ بينما ظل الاحتلال قادرًا على التحكم في شروط الحركة الفلسطينية.وهذه هي المفارقة التي تستحق أن تُحاكم: لم تكن مشكلتنا الأساسية أننا دخلنا مرحلة انتقالية، بل أننا لم ننجح في جعلها انتقالية بالفعل. خفنا من أن يتحول الحكم الذاتي إلى واقع دائم، لكننا لم نبنِ القوة السياسية والمؤسساتية التي تجعل تجاوزه ممكنًا. ومع طول الزمن، تحولت الأدوات التي كان يفترض أن تقود إلى الدولة إلى جزء من بنية المرحلة نفسها، وتراجع المجال السياسي الوطني المستقل، وأصبح المؤقت أكثر دوامًا من الهدف الذي أنشئ من أجله. لقد خفنا من الحكم الذاتي إلى حد أننا لم نحسم كيف ننتقل منه إلى الدولة؛ ولذلك لم يطل عمر الحكم الذاتي فقط، بل طال عمر المرحلة التي كان يفترض أن تنهيه

خوفنا من الحكم الذاتي أطال عمره

أسعد العويوي: أكاديمي وباحث سياسي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)