أمد/ في لبنان يتقاطع مساران متوازيان في لحظة إقليمية واحدة شديدة التعقيد الاول رسمي يراهن على الدبلوماسية والثاني ميداني يراهن على القوة وفي قلب هذا التناقض تشكلت صورة الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على القرى الجنوبية مستفيدة من انشغال العالم بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في محاولة واضحة لإعادة ترتيب ساحات الاشتباك بما يخدم أولوياتها الاستراتيجية ويمنحها هامشاً أوسع للضغط والتدمير دون كلفة سياسية دولية فادحة والمراقب لواقع الاحداث ما بعد العدوان الاسرائيلي على الجنوب اللبناني يلاحظ هذا التناقض المتفاقم وغير القابل للحل
الحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام اختارت الدخول في طريق تفاوضي مباشر برعاية أميركية انطلاقاً من قناعة معلنة بأن وقف النزيف الإنساني والاقتصادي بات أولوية مطلقة وأن الحرب المفتوحة تهدد ما تبقى من بنية الدولة والمجتمع وأن أي تأخير في الوصول إلى تسوية قد يرفع الكلفة إلى مستويات لا يمكن تحملها في ظل واقع اقتصادي منهار وبنية تحتية مدمرة ونزوح شعبي واسع النطاق
في المقابل تمسكت حزب الله اللبناني بخيار المواجهة العسكرية مع اسرائيل باعتبار أن التفاوض تحت النار يفقد معناه السياسي ويحوله إلى أداة لإضفاء الشرعية على الوقائع التي تفرضها القوة وأن التجارب السابقة تؤكد أن تل ابيب لا تقدم أي تنازلات حقيقية إلا عندما تشعر بأن كلفة استمرار الحرب تفوق كلفة التسوية وأن أي مسار تفاوضي لا يستند إلى قوة ردع فعلية لن يكون سوى إعادة إنتاج للهزيمة لكن بصيغة دبلوماسية
هذا التباين الواضح بين المسارين لم يكن مجرد اختلاف في الوسائل بل عكس انقساماً عميقاً في تقدير طبيعة الصراع نفسه فالدولة اللبنانية تنظر إلى الحرب باعتبارها تهديداً وجودياً يستوجب الاحتواء السياسي بينما ترى المقاومة اللبنانية أنها حلقة في صراع طويل لا يمكن حسمه إلا بتوازن القوة وهو ما يفسر استمرار العمليات الميدانية رداً على الخروقات الإسرائيلية المتواصلة رغم إعلان الهدن المؤقتة التي لم تصمد أمام الوقائع على الأرض من جانب اسرائيل
في خلفية هذا المشهد وظلاله برز الدور الأميركي كعامل حاسم في توجيه الأزمة حيث عملت واشنطن جاهدة على فصل الساحة اللبنانية عن الساحة الإيرانية بشكل كامل ساعية إلى منع تلاحم الجبهات بما قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي شامل وقد كانت هذه المقاربة تهدف إلى تحييد لبنان عن أي معادلة ضغط إيرانية محتملة مثل التلويح بإغلاق مضيق هرمز وربط أي تهدئة في لبنان بمسار تفاوضي منفصل يخضع لشروط وضوابط أميركية واسرائيلية صارمة
الحقيقة ان هذا الفصل لم يكن تقنياً بقدر ما كان سياسياً واستراتيجياً حيث سعت الولايات المتحدة إلى استثمار اللحظة الإقليمية للضغط على الدولة اللبنانية ودفعها نحو مسار تفاوضي سريع يحد من دور المقاومة ويعيد تشكيل ميزان القوى الداخلي بما يتناسب مع الرؤية الأميركية للأمن في المنطقة وهو ما يفسر استضافة واشنطن لجولات التفاوض ومحاولة فرض إيقاع زمني وسياسي لا يتطابق بالضرورة مع مصالح لبنان كما يراها جزء واسع من الداخل
💬 التعليقات (0)