الأحد 06 سبتمبر 2026 11:07 صباحًا - بتوقيت القدس
حان الوقت في فلسطين لفتح نقاش جدي حول فلسفة الدراسات العليا، وبالتحديد برامج الدكتوراه وسياسة البعثات الحكومية. السؤال الأهم: ما الذي تريد أن تحققه فلسطين من الاستثمار في باحث دكتوراه؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام قضية أعمق تتعلق بمفهومنا للتعليم العالي والبحث العلمي. في الدول التي تنظر إلى التعليم بوصفه استثماراً وطنياً لا مجرد مسار فردي للترقي الأكاديمي ، لا تُعامل الدكتوراه باعتبارها شهادة أعلى تضاف إلى السيرة الذاتية، وإنما باعتبارها مشروعاً لإنتاج المعرفة، وبناء الخبرات، وتطوير السياسات، ومعالجة المشكلات التي يواجهها المجتمع والدولة.فالدكتوراه، في جوهرها الأكاديمي، ليست امتحاناً في القدرة على تحصيل العلامات، ولا استمراراً لمسار التوجيهي والبكالوريوس والماجستير. التحصيل الأكاديمي مهم دون شك، ومعيار يعكس في كثير من الأحيان الجدية والانضباط والقدرة العلمية، لكنه في مرحلة الدكتوراه يصبح واحداً من عدة مؤشرات، وليس بالضرورة المؤشر الحاسم.جوهر الدكتوراه هو البحث، والقدرة على طرح سؤال لم تُجب عنه المعرفة بصورة كافية، وصياغة إشكالية بحثية، واختيار منهجية مناسبة، وتحليل الأدلة، وإنتاج معرفة جديدة يمكن أن تضيف إلى الحقل الأكاديمي أو تساعد في فهم مشكلة أو تطوير سياسة أو تقديم حل. ولهذا فإن تقييم المتقدم لبعثة دكتوراه يجب أن ينطلق من منظومة أوسع بكثير من الأرقام. ما جودة المقترح البحثي الذي يقدمه؟ ما أصالته؟ هل يمتلك سؤالاً بحثياً حقيقياً؟ هل المنهجية متماسكة؟ ما القيمة العلمية المتوقعة من البحث؟ وهل يمتلك الباحث الأدوات الفكرية واللغوية والمنهجية التي تؤهله لإنجاز المشروع؟وفي السياق الفلسطيني يضاف سؤال لا يقل أهمية: ما علاقة هذا البحث باحتياجات فلسطين؟ نحن شعب يعيش بيئة عدم يقين عالية تحت ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية استثنائية، ولدينا فجوات معرفية وتنموية ضخمة في قطاعات المياه والطاقة والصحة والتعليم والزراعة والاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والقانون والتخطيط العمراني والحكم والإدارة العامة والدبلوماسية وإعادة الإعمار وغيرها. إذا كانت الدولة أو المؤسسات العامة ستستثمر في عشرات أو مئات الباحثين، فمن الطبيعي أن نسأل: هل توجد لدينا خريطة وطنية تحدد المجالات التي تحتاج فلسطين إلى بناء معرفة وخبرات متخصصة فيها خلال السنوات العشر أو العشرين المقبلة؟وهل ترتبط البعثات بهذه الخريطة، أم أننا نتعامل مع المنح باعتبارها فرصاً تعليمية حصلنا عليها كمنح من الدول الصديقة، بعيداً عن التخطيط الوطني؟ هنا تكمن واحدة من أهم المعضلات التي تحتاج إلى مراجعة.الدول لا ترسل باحثيها إلى الجامعات حول العالم لمجرد زيادة عدد حاملي الدكتوراه. إنها تستثمر في رأس مال بشري يفترض أن يعود إلى المجتمع والمؤسسات والاقتصاد والمعرفة. لذلك فإن سياسة البعثات يجب أن تبدأ من تحديد الاحتياجات الوطنية، ثم الانتقال إلى اختيار الباحثين القادرين على الاستجابة لهذه الاحتياجات، وليس العكس.كما أن أي منظومة عادلة لاختيار بعثات الدراسات العليا يجب أن تقوم على قاعدة أساسية لا غنى عنها: المعايير المعلنة مسبقاً. ليس كافياً أن تكون لدى لجان الاختيار معايير داخلية تعرفها وتطبقها منذ سنوات. العدالة الإجرائية تقتضي أن يعرف المتقدم قبل أن يقدم طلبه كيف سيُقيّم... إذا كان للتحصيل الأكاديمي وزن معين، يجب الإعلان عنه... إذا كان للمقترح البحثي وزن، يجب الإعلان عنه... إذا كانت هناك مقابلة، أو أولوية لتخصصات معينة، أو اعتبار للتوزيع الجغرافي، أو للخبرة المهنية، أو للنشر العلمي، أو لإجادة اللغات، فمن حق المتقدم أن يعرف ذلك مسبقاً.الشفافية لا تعني التشكيك في نزاهة اللجان؛ على العكس، هي التي تحمي اللجان والمؤسسات من الشكوك وتمنح قراراتها المصداقية.أما القضية الأكثر أهمية، فهي تقييم المقترحات البحثية نفسها. من الصعب أكاديمياً تصور اختيار باحث لدراسة الدكتوراه دون تقييم جدي للمشروع الذي سيقضي سنوات في العمل عليه. قد يكون عدد الطلبات كبيراً، وقد تواجه الوزارات والمؤسسات مئات الملفات، وهذه معضلة إدارية حقيقية يجب الاعتراف بها. ولكن ارتفاع عدد المتقدمين لا ينبغي أن يقود إلى تهميش البحث نفسه. الحل ليس في تجاوز المقترحات البحثية، واعتماد العلامات فقط! بل في تطوير آليات تقييمها. يمكن إنشاء قواعد بيانات للمحكّمين من الجامعات الفلسطينية والشتات، وتوزيع المشاريع وفق التخصص، واعتماد مرحلة فرز أولي، ثم تحكيم عدد أقل من المقترحات المؤهلة، والاستفادة من الأدوات الرقمية والتكنولوجية في فلترة وإدارة العملية.ما لا يجوز هو أن تصبح سهولة القياس سبباً لاختيار ما نقيسه. العلامة سهلة القياس. أما القدرة البحثية والأصالة والإبداع والمنهجية فهي أكثر تعقيداً.ونحتاج أيضاً إلى التفكير في ما بعد الدكتوراه: ما علاقة تخصصاتهم بالجامعات والمؤسسات العامة والقطاع الخاص؟ هل لدينا سياسة لاستيعاب هذه الطاقات؟ وهل نستفيد من الأبحاث التي تمول بصورة مباشرة أو غير مباشرة من المال العام؟وقد يكون من المفيد أن يصبح جزء من كل بعثة ممولة وطنياً مرتبطاً بالتزام معرفي واضح: نشر البحث، مشاركة نتائجه مع المؤسسات المختصة، تحويل مخرجاته إلى أوراق سياسات عندما يكون ذلك ممكناً، وربط الباحث بشبكات البحث الوطنية. بهذه الطريقة تتحول المنحة من امتياز فردي إلى عقد معرفي بين الباحث والمجتمع.المراجعة التي نحتاجها لا تستهدف وزارة بعينها ولا لجنة بعينها، ولا تشكك في اجتهاد من عملوا لسنوات ضمن الإمكانات المتاحة. لكنها دعوة إلى إعادة التفكير في النظام نفسه. فالأنظمة التي تستمر لسنوات تحتاج هي الأخرى إلى التقييم والتطوير.ونحن بحاجة اليوم إلى إطار وطني واضح لبعثات الدكتوراه يقوم على أربعة مبادئ: الشفافية في المعايير، والتقييم الأكاديمي المتخصص للمقترحات البحثية، والعدالة في الوصول إلى الفرص، وربط الاستثمار في الدراسات العليا بالأولويات الوطنية.فلسطين لا تحتاج فقط إلى مزيد من حاملي الدكتوراه؛ تحتاج إلى باحثين. هناك فرق كبير بين الاثنين. نحتاج إلى ثقافة أكاديمية تعيد الاعتبار للسؤال والبحث والنقد والإنتاج المعرفي، بدلاً من اختزال الدكتوراه في اللقب أو الترقية أو المكانة الاجتماعية ان يكون المفهوم هو لاستثمار في المعرفة لإيجاد الحلول وكاستراتيجية خروج تحت الاحتلال.
درجة الدكتوراه في فلسطين!
أسعد العويوي: أكاديمي وباحث سياسي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)