f 𝕏 W
فلسطينياً… وحدة القرار أم التوافق على المسار؟

جريدة القدس

سياسة منذ 58 دق 0 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

فلسطينياً… وحدة القرار أم التوافق على المسار؟

الأحد 06 سبتمبر 2026 11:01 صباحًا - بتوقيت القدس

ليس مطلوباً من الفلسطينيين أن يكونوا نسخة سياسية واحدة، ولا أن تتطابق رؤاهم ومواقفهم واجتهاداتهم، فالتعدد داخل بنية كل شعب حالة طبيعية، بل ضرورة سياسية وفكرية، ما دام اختلاف الرؤى يتحرك تحت سقف المصلحة الوطنية، ويخدم الصالح العام، ولا يتحول إلى انقسام على الوطن أو تنافس سلبي على ما تبقّى منه.المشكلة الفلسطينية اليوم ليست في مَن يفضّل مساراً سياسياً أكثر حذراً، أو من يرفع سقف المواجهة، فالبنية السياسية المتوازنة تحتاج إلى الاتجاهين معاً، وإلى ما بينهما من اجتهادات. المشكلة الحقيقية هي أن كل مسار يجب أن يُبنى على أسس، وألّا يكون انتحاراً ولا تخاذلاً. وألا يترك المواطنين لقمة سائغة فرادى في مواجهة قطعان المستوطنين وآلة الحرب الاحتلالية.وبعد أن أصبح الشعب المغلوب على أمره مختبراً للتجارب، وبعد أن أدت تلك التجارب إلى نتائج وخيمة على شعبنا، أضحت المشكلة أكبر؛ إذ فقد الجميع وضوح المسار، وتحول الاختلاف من تنوع في وسائل بلوغ الهدف إلى صراع على المواقع والشرعيات والمصالح، بلا أفق واقعي في ظل التغول الاحتلالي.فلم نعد نواجه انقساماً سياسياً فحسب، بل ضياعاً في المسار وفقداناً للبوصلة، إضافة إلى عدم وجود الحاضنة الدولية التي يمكن أن تكون غلافاً للتحصين على الأقل.نعرف تفاصيل واقعنا، ونجيد وصفه، ونستمع يومياً إلى تشخيص مخاطره، لكننا نفتقد الإجابة الوطنية الواضحة على سؤالين يفترض أن يكونا أساس أي توجه: ماذا نريد؟ وما السبيل الواقعي إلى تحقيقه؟فالعمل السياسي لا يقاس بمدى دقة تشخيص الأزمة وحدها، مهما كان هذا التشخيص ضرورياً، وإنما بقدرته على إنتاج البدائل، وترتيب الأولويات، وتحويل الإمكانات المحدودة إلى فعلٍ متراكم.أما أن يقف الجميع في خانة واحدة، فيصفون الواقع ويتبادلون التحذير من خطورته، من دون خطة أو أفق أو عمل، فذلك لا يصنع سياسة، بل يجعل من تشخيص العجز بديلاً عن مواجهته، ويحوّل الساسة في أحسن الأحوال إلى مسيرين للشؤون الاجتماعية ويحول الفصائل إلى مطابع لنعي الشهداء.ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل ما نريده هو إعادة بناء مشروع وطني يحفظ هوية الشعب وحقوقه ووحدة قضيته، أم أن السياسة انخفضت إلى البحث عن مزيد من الامتيازات الشخصية، وترتيب المواقع، وحماية النفوذ القائم؟ وهل نفكر في إعادة التموضع فلسطينياً بما يحفظ قدرتنا على البقاء والفعل، أم نكتفي بإدارة واقع يتآكل، بينما يحاول كل طرف تحسين شروط وجوده داخله؟إن وحدة القرار على أهميتها، لا يمكن أن تفرض بوصفها شعاراً شكلياً، ولا أن تتحقق بجمع الكل داخل خانة سياسية واحدة. فالوحدة التي ترتبط بصفقات انتخابية هي مجرد توافق شكلي يؤجل الخلاف من دون أن يعالجه، وهي وصفة انتخابية ضد المواطن وقضيته، بل وتعزيز لفكرة الصراع على المواقع وتقاسمها.وهذا ما يجب التنبه إليه، لعدم الانخراط في دوائر تزيد من دوامة التيه، ولا سيما أن الأجيال القادمة ستدفع ضريبة خيارات لم تشارك بصنعها.فالمطلوب أولاً هو التوافق على المسار، وتحديد الهدف الوطني وترتيب الأولويات، وضبط الاختلاف ضمن قواعد تمنعه من التحول إلى صراع على التمثيل والشرعية.فعندما يتم الاتفاق على الوجهة، يمكن أن تتعدد الطرق والاجتهادات، وأن تختلف الأدوات من دون أن تتناقض الغايات.أما حين تضيع الوجهة، فلا قيمة لوحدة شكلية في قرار لا يعرف أصحابه إلى أين يمضون، ولا لتعددية سياسية يتحرك كل طرف فيها وفق حساباته الخاصة. ولا يعني التوافق على المسار إلغاء الخلاف أو مطالبة القوى الفلسطينية بالتخلي عن برامجها ان وجدت ونوقشت، بل يعني وضع حدود واضحة لما يجوز الاختلاف عليه، وما لا يجوز إخضاعه للمساومة.فحماية الهوية والثوابت الوطنية، وصون الحقوق الأساسية، والحفاظ على الأرض ووحدة الشعب والقضية، يفترض أن تبقى مرجعية حاكمة للجميع، لا أوراقاً يعاد تعريفها بحسب الظروف وموازين المصالح. والأهم أن الغد لا يبدأ من دون المحاسبة على أخطاء الأمس، فليس من المنطق البناء فوق بيت مهدّم.إن توزيع الأدوار بحرفية وتكتيك يجدد معاني القوة والمسؤولية، وعلى العالم أن يشعر بأن فلسطين تحدد آلياتها وتوجهاتها بتكامل، من أجل المساهمة في إخراج شعبها من عنق الزجاجة؛ فلا يمكن للعالم أن يتدخل، أمام حالة التشتت والتخبط التي أضحت ملاذاً للتهرب من المسؤوليات، بل والهروب نحو الانبطاح أكثر فأكثر.نحتاج إلى تيارات تختلف في الوسائل، لكنها تتفق على الثوابت والغايات؛ وإلى بنية سياسية متوازنة لا يحتكر فيها طرف تعريف الوطنية، ولا تتحول فيها الفصائل إلى أدوات تستجيب لشروط الممول وأجندانه على حساب الأولويات الوطنية. فالتوازن نواته قدرة الاتجاهات المختلفة على التكامل داخل مشروع وطني واحد.علماً أن الفجوة بين المشهد السياسي وحياة الناس باتت أكثر اتساعاً وإيلاماً؛ فبين السجاد الأحمر والمرافقين من جهة، ومخيمات اللاجئين والخيام والبيوت المهدمة من جهة أخرى؛ وبين مَن يتنافسون على الألقاب والمواقع، وأطفال تتشتت أحلامهم قبل أن تتشكل؛ وبين مستقبل شخصي يجري تأمينه بعناية، ومستقبل أجيال كاملة تترك رهينة الخوف والاقتلاع والغموض تكمن المعضلة.فإذا لم تكن السياسة لخدمة الإنسان الفلسطيني، وحماية أرضه وكرامته وهويته، وصون حق أطفاله في مستقبل طبيعي، فإنها تتحول إلى امتيازات فقط، وتنفصل كلياً عن القضية التي تستمد منها شرعيتها.فالشرعية لا يمنحها الموقع، ولا السجاد الأحمر، ولا عدد المرافقين؛ وإنما يمنحها الاقتراب من أوجاع الناس، والقدرة على تحويل حالة الضياع والتخبط إلى اتجاه ومسار نحو مشروع وطني قابل للاستنهاض.لذلك، وقبل التنافس على تمثيل الفلسطينيين، لا بدّ من إعادة بناء واقع سياسي يستحق التنافس على خدمته وعدم السماح بتخدير النخب المفترضة بالاستحقاقات والرتب والامتيازات، فيما تضيق مساحة الوطن.ولهذا، فإن استعادة البوصلة تسبق وحدة القرار، لأن القرار الموحّد بلا مسار واضح يوحّد العجز، امام كل هذا التغول في القتل والاستباحة لأحلام الطفولة وللبيوت الآمنة وللأراضي المستهدفة.أما التوافق على الغاية بانتماء ووطنية، فيعيد ولادة التعدد بوصفه ابناً شرعياً للحالة الفلسطينية، لا لقيطاً نتج عن احتياجات إسرائيلية أو تجاذبات إقليمية.

فلسطينياً… وحدة القرار أم التوافق على المسار؟

أسعد العويوي: أكاديمي وباحث سياسي

الأب إبراهيم فلتس : حراسة الأراضي المقدسة

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)