الأحد 06 سبتمبر 2026 11:02 صباحًا - بتوقيت القدس
توفّي في الرابع والعشرين من آب 2026 الفنان الفلسطيني سليمان منصور. كان بإمكاني أن أضيف أنه كان رسّامًا مسيحيًا، وقد يكون ذلك تفصيلًا يتعلق بهويته، لكن الأهم أن أكتب أنه كان يعبّر في لوحاته عن توق الأرض المقدسة إلى السلام.كنت قد التقيت به قبل أسابيع قليلة، وكانت نظرته العميقة تلفتني دائمًا. أما كلماته الحكيمة، فكانت تستوعب الألم وتتجاوزه بقوة الإيمان والرجاء.ومن أشهر لوحاته لوحة «جمل المحامل»، التي تصوّر رجلًا مسنًّا يحمل على ظهره كيسًا يبدو للناظر كأنه على شكل دمعة. وفي الكيس شقّ يجمع بين طرفيه حبل طويل ملتفّ حول ذراع الرجل، ومن خلال هذا الشقّ تظهر مدينة القدس القديمة.ليست هذه النسخة الأولى من اللوحة، فقد فُقدت النسخ السابقة بسبب ظروف مختلفة. وفي كل مرة كان سليمان يرسمها من جديد، كان يضيف إليها تفاصيل جديدة تعبّر عن حياة المدينة المقدسة، وعن حياة أهلها الذين يعيشون جنبًا إلى جنب، رغم كل ما يفصل بينهم.يظهر الرجل في اللوحة مسنًّا ومتعبًا وحافي القدمين، ليكون قريبًا قدر الإمكان من حقيقة الأرض. وهو يجسّد ما تختزنه الكلمة العربية «الصمود»، التي تعبّر عن ثبات راسخ ومتواصل في وجه الألم، ومقاومة لا تلجأ إلى السلاح. ويعبّر الصمود أيضًا عن وحدة الأشخاص الذين يسعون إلى العدالة ويطالبون بالحقيقة.أما الحبل الذي يربط أجزاء الكيس، فيبدو كأنه يحاول أيضًا أن يجمع الحكايات والأنفاس والآمال. وهو يمنح الإنسان، بما يحمله من خبرة ومحبة، القوة ليواصل حمل ثقل العنف، ثم ينهض ويسير من جديد، بقلبه وفكره أيضًا، في طرق تُبعده عن الشر والكراهية والانتقام.تجعلني هذه اللوحة أفكّر في ذلك الحبل الذي يحاول مقاومة التمزّق والقطع والانقسام، بينما قُطعت في غزة حتى خيوط الطائرات الورقية الرفيعة. لماذا هذا العنف الجديد؟إن رؤية طفل يلعب تفتح القلب دائمًا على الابتسام. أما رؤية طفل يلعب في غزة بكرة صنعها من قطع القماش، أو بدمية غطاها الغبار وانتشلها من بين أنقاض بيته وذكرياته، فتفتح القلب على الرجاء.وما إن تلوح بوادر انفراج في سماء الأرض المقدسة الزرقاء، حتى تعود أخبار القتلى وتتوالى. وتُفرض قيود جديدة لا معنى لها، تحرم الوجوه المتألّمة حتى من الابتسام، وهي تنظر إلى طائرات ورقية خفيفة، ملوّنة بالرجاء، ترتفع في السماء وتطير بحرية.في الأيام الماضية، أعادت بعض مظاهر الحياة الطبيعية، البسيطة ولكن المهمة، شيئًا من الفرح والطمأنينة إلى قلوب أطفال غزة. فقد منحت الألعاب المائية في رعية العائلة المقدسة بغزة بعض الراحة للأطفال المسيحيين والمسلمين، الذين اجتمعوا ليلعبوا ويقضوا معًا لحظات خالية من الهموم، في واحة من الهدوء أبعدت عنهم، ولو لبضع ساعات، الحزن والخوف.كما منح الماء، الضروري للحياة واستمرارها، بعض الراحة، ضمن برامج إعادة التأهيل، لأطفال أُصيبوا في أطرافهم ونفوسهم خلال سنوات هذه الحرب المدمّرة.من الصعب دائمًا أن نتحدّث أو نكتب عن حرب في الأرض المقدسة لا تتواجه فيها الجيوش، بل تقف فيها الأسلحة وأدوات الموت في مواجهة البشر. ولا حاجة هنا إلى تحديد جنسية أو دين أو انتماء، فما يحدث في هذه الأرض المباركة لا يحتاج إلى مزيد من التشجيع الأعمى، كما يحدث في الملاعب، لنقرّر من معه الحق، وعلى من يقع اللوم.سيبقى ألم الأطفال وخوفهم حاضرَين.وفي الضفة الغربية، يبقى الأطفال داخل بيوتهم، ليس فقط خوفًا من فقدان السقف والجدران التي تؤويهم، بل لأن خروجهم قد يعرّضهم لفقدان حقهم في البقاء على أرضهم. وقد يشاهدون عاجزين تدمير أحلام وآمال الذين بنوا لهم مستقبلًا في تلك البيوت.إن قطع خيوط طائرات الأطفال الورقية يجب ألّا يقطع رجاء إنسانية جريحة، سواء في غزة أو خارجها. علينا أن نعيد وصل تلك الخيوط؛ فبهذه الطريقة وحدها يمكننا أن نرجو من جديد، وأن نؤمن بأن الإنسانية لم تفقد القيم التي تمنح جميع أطفال العالم الحق في النظر إلى السماء بوجوه مبتسمة.لقد حان الوقت لنتّحد، كلّ واحد منا في اختلافه وتنوّعه، ولكن معًا، لنطالب بسلام يرتبط من جديد بالعدالة والحقيقة؛ سلام يشبه خيط الطائرة الورقية الرفيع، هشّ وقويّ في الوقت نفسه، ويرتفع في السماء لكي ننظر من خلاله إلى إنسانية واحدة بعيون الأطفال البريئة.إن إيجاد حلول سلمية وإنسانية وممكنة لن يمحو ألم الأطفال الذين أُجبروا على إتلاف أشياء ورقية وُصفت بأنها «خطيرة»، لكنه سيكون بداية حقيقية لمسيرة نحو وحدة إنسانية تحترم الحياة والإنسان؛ إنسانية تحترم المسنّين الذين يحافظون على إرث التاريخ متماسكًا بحبل الحكمة، وترعى الأطفال وتحميهم، وهم يمسكون بأيديهم الصغيرة خيط الرجاء والثقة بالمستقبل.
سليمان منصور.. تحفة الأمل في "جمل المحامل"
أسعد العويوي: أكاديمي وباحث سياسي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)