الأحد 06 سبتمبر 2026 10:54 صباحًا - بتوقيت القدس
تبدأ هذه المقالة بمجموعةٍ من المقولات والحكم والاقتباسات التي لها علاقة بالعنوان. رحم الله شمس الدين التبريزي صاحب هذا العنوان قبل 500 سنة.الجاهل بزمانه جاهل/ لن أمسي حتى أصبح أحسن من أمس/ من بلغ الخمسين من العمر و ما زال يرى الأمور كما كان يراها في الثلاثين من عمره، فقد أضاع عشرين سنة من عمره وعمر المجتمع/ من لا ينمو يذبل/ إذا لم تغير أفكارك وتغير أولوياتك وتتخلَّ عن عاداتك القديمة فلن تتطور ولن تتقدم ولن تصل.من لا يتعلم شيئاً جديداً كل يوم يزداد جهلاً يوماً بعد يوم. قالت العرب: من لا يتقدم يتقادم/ و من لا يتجدد يتبدد.الشجرة التي لا تبدل أوراقها كل موسم لن تنمو أبدا/ لا تخرج من البيت إلا و لديك شيء تقوله أو أمر تفعله.المفاتيح القديمة لن تفتح الأبواب الجديدة لذلك جدد أسلوبك إذا أردت التأثير في العقول الجديدة و جدد مفاتيحك.يقول علي الوردي في كتابه عن مهزلة العقل الذي لا يفارق بيته الذي نشأ فيه و لا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته، ولا يتفاعل مع الآخرين لا تنتظر منه أن يكون محايداً في تفسير الأمور لأن معتقداته تلون تفكيره حتما و تبعده عن البحث الجاد الإنسان لا ينمو عقله إلا في حدود القالب الذي يصنعه المجتمع له و من الظلم أن نطلب من إنسان عاش في مجتمع جاهل أو مع البدائيين أن ينتج لنا فلسفة جديدة أو يخترع علم جديد.يقول نجيب محفوظ: نحن لا نموت حين تفارقنا الروح فحسب، نموت قبل ذلك، حين تتشابه أيامنا ونتوقف عن التغيير حيث لا شيء يزداد سوى أعمارنا.أي إنسان يريد أن يغير يجب أن يضع استراتيجية و هدف و خطة عمل/ لا يمكن الوصول إلى الغد و أنت ما زلت تفكر بالأمس/ إذا لم تضيف شيئا إلى هذا العالم فأنت عبء عليهو ما أجمل ما قاله الشافعي عن وقوف الماء و وقوف الشمس:"أني رأيت وقوف المال يفسدهو إنْ سال طاب و إن لم يجر لم يطبالشمس لو وقفت في السماء دائمةلملها الناس من عجم و من عرب".أما الإمام الغزالي، فربط بين مستقبل الأمة و مواكبة التغيرات، ويقول: مستقبل أي أمة يقوم باستعدادها لمواءمة كل عصرٍ بما يناسبه.أما جون ديوي الأمريكي أبو التربية الحديثة، فيقول: إذا علمنا طلاب اليوم بأساليب الأمس فسنسرق منهم مستقبلهمو قد أبدع الخليل بن أحمد الفراهيدي بحديثه عن المعلم و عدم التنويع و قتل الدوافع حين قال: لو علم المعلم جميع طلابه بنفس الطريقة لأمات قلوبهم.ويقول أحد الشعراء:"شباب قنع لا خير فيهم وبورك بالشباب الطامحين".أما أبو القاسم الشابي الذي لعن من لا يماشي الزمان وبارك أهل الطموح:"أبارك في الناس أهل الطموحومن يستلذ ركوب الخطرو ألعن من لا يماشي الزمانو يقنع بالعيش عيش الحجر".يشهد العالم تحولات علمية و اجتماعية و اقتصادية و تكنولوجية، وأصبح ما كان مقبولاً في الماضي لن يكون مقبولاً في المستقبل، وهذا يظهر أهمية الحكمة التي جاء بها شمس الدين التبريزي، وهي عنوان المقال.وهذه المقالة لا تعني بأي حال من الأحوال رفض الماضي، الذي هو جزء من حياتنا، بل تعني عدم السماح لبعض العادات والتقاليد والأفكار وما تعودنا عليه بأن تحدد أساليب التعامل مع المتغيرات و التحولات، فالعقل المتجدد هو الذي يستفيد من تجارب الماضي وكما قالت العرب: من لا يتجدد يتبدد.إن العقل المرن المستنير المواكب يعتمد على التعلم المستمر والتطور المستمر، ولا يستطيع الإنسان أن يدخل المستقبل إذا بقي أسيراً لقواعد وعادات لا تناسب العصر، والعقل المستنير هو الذي ينظر إلى الماضي بعيون فاحصة، وهذا يتطلب حكمة و جرأة و شجاعة ومعرفة.و يجب أن يسأل الطالب نفسه دائماً: ماذا تعلمت اليوم؟ كيف يمكن أن أستفيد مما تعلمته اليوم؟ لماذا لا أجدد نفسي؟ لماذا لا أطور نفسي؟ لماذا يجب أن أبقى متخلفا؟التعلم المستمر الذي من خلاله يمكن مقاومة الجمود الفكري من خلال القراءة والمشاركة في ندوات ومؤتمرات والاستفادة من الخبرات السابقة والتعاون مع الآخرين ومراجعة التجارب السابقة، لأن الأهم من اكتساب معارف جديدة قدرة الطالب على تحويل المعارف الجديدة إلى فهم و ممارسة و إعادة تقييم بعض الأمور.وهنا أقول: لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم.مرة أخرى، إن عنوان المقالة هي دعوة جريئة حكيمة شجاعة وبوصلة جديدة لأنه في عالم سريع التطور نحن بحاجة إلى عقلية مرنة تقوم على التعلم المستمر و التفكير النقدي و الانفتاح و الاستعداد للقادم من خلال رؤية مستقبلية.وهنا نعوم شومسكي يتحدث عن نظام التعليم بقوله: أن نظام التعليم مصمم لإنتاج إنسان مطيع لا إنسان مفكر، وعند سؤالك عن ذلك تصبح أنت المشكلة.مشكلة الطالب الجامعي في هذا العصر هي التوقف عن التعلم المستمر والتطور والنمو، مع العلم أن المعارف تتجدد والحاجات تتجدد، والمهارات تتجدد، والتخصصات تتجدد، والوظائف تتجدد و متطلبات المستقبل تتغير.الشهادة الجامعية لم تعد الضمان الوحيد للطالب بل القدرة على البحث والتكيف مع المتغيرات والتحولات، والشهادة ليست الخاتمة، بل البداية لكل شيء و التغيير لا يبدأ بالشهادة بل يبدأ بطريقة التفكير.المستقبل لا يُشترى، بل يُبنى حين يستمر الطالب في النمو والتكيف والتأمل والبحث.المستقبل لن يكون لمن حفظ أكثر ولا لحامل الشهادة بل لمن يواكب و يتعلم باستمرار.المستقبل يعتمد على ما يملكه الطالب من مهارات و قدرات و تجارب تمكنه من مواكبة العصر.وأخيراً أقول: نحن التربويين المحاورين الذين فهمنا كل شيء نحتاج إلى كرة أرضية ثانية، لنزرع فيها روح الأخلاق والتعليم والتربية والتواضع، نحن أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.
لا تنَم بنفس العقل الذي استيقظتَ فيه
أسعد العويوي: أكاديمي وباحث سياسي
د. ســائــد الـكونـــي: وزير الحكم المحلي الأسبق/ ورئيس ديوان رئيس الوزراء الأسبق
صدقي أبو ضهير: باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي
التعليقات (0)