f 𝕏 W
من يداوي المداوي؟ الأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة بين النبل والاستنزاف

وكالة سوا

سياسة منذ ساعة 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

من يداوي المداوي؟ الأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة بين النبل والاستنزاف

في أزقة قطاع غزة المحاصر بالوجع، والذي يتعرض لأخطر حرب في التاريخ الإنساني الحديث ممثلة بحرب الإبادة والتهجير وتداعياتها الكارثية، حيث تتراكم

في أزقة قطاع غزة المحاصر بالوجع، والذي يتعرض لأخطر حرب في التاريخ الإنساني الحديث ممثلة بحرب الإبادة والتهجير وتداعياتها الكارثية، حيث تتراكم الأزمات وتثقل كاهل الإنسان، يقف الأخصائي النفسي والاجتماعي في الخطوط الأمامية؛ يحمل في حقيبته أدوات الإنصات، والتفريغ الانفعالي، والدعم النفسي، ممدود اليد ليرمم ما هدمته الضغوط الحياتية في نفوس الآخرين، لكن خلف ذلك الرداء المهني والنبل الإنساني، يختبئ واقع آخر مسكوت عنه، ولا يكاد يذكر في المحافل الرسمية أو الإغاثية؛ وهو حق هؤلاء الأخصائيين في العمل الكريم، ودمجهم العادل في ميادين الممارسة؛ ليطرح السؤال نفسه بمرارة: من يداوي جراح هذا المداوي نفسه؟ إن المشهد النفسي والاجتماعي في غزة يضع الخريجين الجدد والمتخصصين أمام مفارقة قاسية؛ فبينما يمر المجتمع بأزمات مركبة واحتياجات هائلة لخدمات الدعم النفسي والإرشاد الأسري، يواجه هؤلاء المتخصصون انسداداً شبه كامل في آفاق العمل الشريف والمستدام الذي يحفظ كرامتهم الإنسانية ويضمن لهم عيشاً كريماً، فالفرص المتاحة في معظمها لا تتعدى مشاريع محدودة الأجل، أو جهوداً تطوعية ومبادرات فردية وجماعية يمارس من خلالها الأخصائيون دورهم الوطني والمهني. وفي المقابل، لا تزال قضية تشغيلهم الدائم لا ترتقي إلى حجم المشكلة لدى المسؤولين وصناع القرار، سواء في الجهات الرسمية أو الأهلية أو الدولية. ويتجلى أول أشكال هذا الاستنزاف في أزمة التطوع الدائم؛ حيث يستيقظ الخريج الجديد بعد سنوات من الدراسة والتحصيل العلمي المجهد، ليجد نفسه محاصراً بين خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بتطوع طويل الأمد لا يسد رمقاً ولا يبني مستقبلاً، أو الجلوس على دكة البطالة القاسية، ولقد تحول التطوع من محطة قصيرة لاكتساب الخبرة إلى نمط تشغيل استغلالي تفرضه بعض الجهات مستغلة حاجة الخريج الشديدة لإثبات الذات وتحصيل شهادة الخبرة، بل إن الأمر امتد ليصبح التطوع نفسه يحتاج إلى وساطات ومقابلات وامتحانات قبول! وهنا يفرض السؤال الأخلاقي والاقتصادي نفسه: كيف نطلب من أخصائي يعاني من ضائقة مالية خنقت تطلعاته، ولا يستطيع توفير التزاماته الأساسية، أن يقدم دعماً نفسياً متكاملاً ومتوازناً للآخرين؟ إن الفقر والضغوط الاقتصادية ليست مجرد أرقام، بل هي عوامل هدم تتسلل إلى استقرار الأخصائي النفسي وتصيبه بالاستنزاف المهني والنفسي، مما يضعف كفاءة المنظومة الإغاثية والإرشادية بأكملها. وهذا ينقلنا إلى ضرورة تغيير النظرة السائدة التي تتعامل مع الأخصائي النفسي أو الاجتماعي على أنه منقذ مجرد من الحاجات المادية والإنسانية، وهي نظرة مجحفة وغير واقعية، فالأخصائي إنسان يمر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية ذاتها، بل إنه يتلقى يومياً الصدمات والقصص المؤلمة من الآخرين دون أن يمتلك مظلة حماية مهنية أو جلسات إشراف نفسي وتفريغ دوري تقيه من الوقوع في مصيدة الصدمة الثانوية والإرهاق النفسي التراكمي، كما يزاد هذا الواقع قسوة في ظل ضعف الدور النقابي والتشريعي الذي يحمي حدود الممارسة المهنية ويضمن عدم استغلال جهد هؤلاء الخريجين. بناءً على ذلك، فإن المطالبة بدمج هذه الشرائح الكفؤة في سوق العمل عبر برامج ومشاريع مدفوعة الأجر ليست رفاهية، بل هي ضرورة مجتمعية ومهنية حتمية، إن استثمار المؤسسات الدولية والمحلية والجهات المانحة في الأخصائي النفسي والاجتماعي—عبر فرض سياسات تضمن تخصيص أجور عادلة وبيئة عمل آمنة في كافة المشاريع الإغاثية—ليس مجرد تقديم وظيفة، بل هو استثمار مباشر في التعافي المجتمعي والصحة النفسية المستدامة لغزة بأسرها. لقد حان وقت التغيير، فلا يمكن استمرار التعاطي مع قضية الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين بكثير من كلمات الثناء الشفهية وقليل من الفرص الحقيقية، وإننا بحاجة إلى إعادة نظر شاملة من قبل المانحين، والمؤسسات الأهلية، والجهات الرسمية، لإعادة هيكلة مشاريع الدعم النفسي والاجتماعي بحيث تضع كرامة العاملين فيها وأجرهم العادل وحمايتهم المهنية على رأس أولوياتها، وإن المداوي الذي ينزف حجة على المجتمع بأكمله، وحان الوقت لأن نمنح هؤلاء الرسل المجهولين الاستقرار الذي يمنحونه للآخرين يومياً، ليتسنى لهم بناء حياتهم وبناء مجتمعهم بصلابة وأمان.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من وكالة سوا

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)