ليس كل ما تنفذه الحكومة مشروع دولة، وليس كل مشروع حكومي يستحق أن يحمل هذه الصفة، "فمشاريع الدولة" هي تلك التي تتجاوز عمر الحكومة، وتصل آثارها إلى الناس، وتبقى نتائجها في حياتهم، وتُحدث تغييرا حقيقيا في المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن مشروع النقل المدرسي الحكومي المجاني يستحق أن نتوقف عنده، ليس باعتباره مشروعا لتوفير الحافلات ونقل الطلبة فحسب، وإنما باعتباره نموذجا لما ينبغي أن تكون عليه المشاريع التي تستحق فعلا أن نطلق عليها مشاريع دولة.
فالسياسة العامة لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق، ولا بعدد المؤتمرات التي تعلن عنها، ولا بعدد العناوين التي تتصدر الأخبار، السياسة العامة الحقيقية هي التي يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
والطفل الذي ينتظر الحافلة صباحا في قرية أو تجمع سكاني بعيد، ثم يصل إلى مدرسته بأمان ويعود إلى منزله في الموعد، قد لا يعرف شيئا عن تفاصيل المشروع أو الاتفاقيات أو الموازنات، لكنه يعرف أن هناك دولة وفرت له طريقا أكثر أمانا إلى التعليم، وهنا تحديدا تبدأ قيمة المشروع.
مشروع النقل المدرسي في المناطق المستهدفة، وفي مقدمتها البادية الجنوبية، ليس مجرد خدمة نقل، إنه مشروع يحمل في داخله أكثر من هدف تنموي في وقت واحد، إنه مشروع تعليمي لأنه يسهل الوصول إلى المدرسة، ومشروع اجتماعي لأنه يخفف العبء عن الأسرة، ومشروع اقتصادي لأنه يقلل كلفة النقل اليومية على الأهل، ويوفر فرص عمل في المجتمعات المحلية، ومشروع سلامة عامة لأنه ينقل الطلبة ضمن منظومة منظمة وآمنة، ومشروع تنموي لأنه يوجه خدمة عامة إلى مناطق تحتاج إلى مزيد من أدوات التمكين، وهو قبل ذلك كله مشروع ثقة؛ لأن المواطن عندما يرى الدولة تصل إليه بخدمة ملموسة، تتعزز لديه قناعة بأن التنمية ليست شعارا يُقال في العاصمة، وإنما حق يصل إلى حيث يعيش الناس، وهذه نقطة جوهرية.
لطالما تحدثنا عن تنمية المحافظات والأطراف والبادية، وعن ضرورة تحقيق العدالة في توزيع الخدمات والفرص، لكن التنمية لا تصبح حقيقة إلا عندما تتحول إلى تفاصيل صغيرة وكبيرة في حياة الناس، قد نتحدث لساعات عن تمكين الأسرة، لكن عندما توفر الدولة وسيلة نقل مجانية وآمنة لأبنائها، فإنها تمارس التمكين فعلا، وقد نتحدث طويلا عن دعم التعليم، لكن عندما تزيل عن الطالب عائق الوصول إلى مدرسته، فإنها تجعل التعليم أكثر قابلية للوصول والاستمرار، وقد نتحدث عن الاهتمام بالمناطق النائية، لكن عندما تصل الحافلة إلى قرية بعيدة في موعدها، فإنها تقدم أبلغ من أي خطاب رسمي، نعم؛ الدولة تُرى أحيانا من نافذة حافلة، وهذا ما يجعل المشروع ذكيا.
التعليقات (0)