قد تبدو قصة سلعة بسيطة مثل زيت السيارات أو المسمار، التي ارتفع سعرها بشكل غير مسبوق بعد أن كانت متوفرة بأثمان زهيدة، مجرد تفصيل صغير في حياة سكان قطاع غزة. لكنها اقتصاديا تكشف مشكلة أكبر بكثير، السوق لا يعاني فقط من ارتفاع الأسعار وإنما من اختلال عميق في منظومة العرض والإمداد والتوزيع.
فالقول إن مئات الشاحنات تدخل إلى القطاع يوميا لا يعني بالضرورة أن الأسواق تحصل على احتياجاتها بصورة طبيعية. الاقتصاد لا يقاس بعدد الشاحنات وحده وإنما بنوعية السلع التي تحملها وكمياتها وانتظام وصولها وقدرتها على الوصول إلى التجار والمستهلكين في مختلف المناطق.
في اقتصاد مستقر، يستطيع التاجر تعويض أي نقص مؤقت عبر موردين متعددين ومخزون متجدد. أما في غزة فإن القيود على حركة التجارة وارتفاع تكاليف النقل والتخزين ومخاطر الإمداد وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تجعل أي خلل صغير في سلسلة التوريد يتحول سريعا إلى أزمة سعرية.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته "اقتصاد الندرة"، إذ لا يرتفع سعر السلعة بالضرورة لأن قيمتها الحقيقية ارتفعت وإنما لأن توفرها أصبح محدودا مقارنة بالطلب عليها. ومع استمرار النقص، يتغير سلوك المستهلك أيضا فيبدأ بتخزين ما يتوفر أو إصلاح السلع القديمة بدلا من استبدالها، أو البحث عن بدائل أقل كفاءة.
وتتسع المشكلة عندما تصبح السوق مجزأة بين مناطق مختلفة، بحيث قد تتوفر سلعة في منطقة وتختفي في أخرى. عندها لا يعود السعر يعكس تكلفة المنتج فقط وإنما يضم تكلفة المخاطر والنقل والبحث عن السلعة وهوامش التعويض عن عدم اليقين.
ولا يتطلب معالجة هذه الأزمة زيادة حجم الإمدادات بقدر ما يحتاج إلى استقرار واستمرارية وتنوع في السلع الداخلة إلى القطاع، وشفافية في آليات التوزيع، وتقليل تكاليف النقل والوساطة وضمان وصول السلع إلى الأسواق بصورة منتظمة.
التعليقات (0)