f 𝕏 W
من قصرة إلى المغير.. الحصار الاستيطاني يعيد تشكيل جغرافيا الضفة

الرسالة

سياسة منذ ساعة 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

من قصرة إلى المغير.. الحصار الاستيطاني يعيد تشكيل جغرافيا الضفة

لم تعد سياسة حصار القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة تقتصر على الحواجز العسكرية المؤقتة أو الإغلاقات التي تُفرض عقب أحداث أمنية، بل باتت جزءاً من واقع يومي تتداخل فيه القيود على الحركة

قارن التغطية هذا الخبر نُشر في 2 مصادر مختلفة — اطّلع على كل التغطيات جنباً إلى جنب جديد: مرايا الأخبار — كيف اختلفت صياغة المصادر بالذكاء الاصطناعي

لم تعد سياسة حصار القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة تقتصر على الحواجز العسكرية المؤقتة أو الإغلاقات التي تُفرض عقب أحداث أمنية، بل باتت جزءاً من واقع يومي تتداخل فيه القيود على الحركة مع اعتداءات المستوطنين، والاستيلاء على الأراضي، وإقامة البؤر الاستيطانية، وهدم المنازل والمنشآت. وتظهر قرية قصرة جنوب نابلس كأحد أبرز النماذج التي اختزلت خلال الأسابيع الأخيرة طبيعة هذا الواقع. ففي أغسطس/آب الماضي، حاصر مستوطنون ثلاثة منازل فلسطينية في القرية، وقطعوا عن سكانها المياه والكهرباء وعرقلوا الوصول إليها، فيما أقام المستوطنون خياماً قرب المنازل. وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الحصار حرم عائلات فلسطينية من احتياجات أساسية، بينما أعلنت قوات الاحتلال المنطقة منطقة عسكرية مغلقة خلال الأزمة. ولم ينتهِ الأمر بانتهاء الحصار الأول؛ ففي 29 أغسطس/آب، تعرض منزل فلسطيني في قصرة لهجوم جديد من عشرات المستوطنين، فيما أفاد شهود بأن سبعة فلسطينيين كانوا داخل المنزل أثناء الهجوم. وتأتي هذه التطورات في قرية أصبحت، وفق بيانات أممية، من أكثر التجمعات الفلسطينية تعرضاً لاعتداءات المستوطنين خلال عام 2026. 925 عائقاً أمام الحركة قصرة ليست حالة معزولة. فبحسب أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وثّقت المنظمة 925 عائقاً للحركة في الضفة الغربية، تشمل حواجز عسكرية وبوابات طرق وسواتر ترابية وإغلاقات، وهي قيود تؤثر بصورة دائمة أو متقطعة على حركة نحو 3.4 ملايين فلسطيني. وتمثل هذه الأرقام زيادة بنسبة 43% مقارنة بالمتوسط السنوي المسجل خلال العقدين السابقين. وتشمل المنظومة 89 حاجزاً مأهولاً على مدار الساعة، و218 حاجزاً جزئياً، و232 بوابة طرق، إضافة إلى 114 إغلاقاً خطياً و167 ساتراً ترابياً و105 إغلاقات للطرق. وتشكل الحواجز والبوابات وحدها نحو 60% من مجمل عوائق الحركة التي وثقتها الأمم المتحدة. وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من تأثيرها المباشر على الحياة اليومية. ففي بعض القرى، لا يعني إغلاق الطريق مجرد تأخير لساعات، وإنما تحويل رحلة قصيرة إلى مسار طويل، أو عزل قرية عن مدرسة أو مستشفى أو سوق، أو منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.

وفي محافظة رام الله، تمثل المغير نموذجاً آخر للضغط المتراكم. فقد وثقت الأمم المتحدة تصاعداً ملحوظاً في اعتداءات المستوطنين على القرية، ولا سيما على طريقها الوحيد، إلى جانب عمليات جيش الاحتلال. وبحسب OCHA، تعرضت المغير منذ بداية 2026 إلى سلسلة واسعة من الهجمات، فيما أسهمت الاعتداءات المتكررة والقيود على الوصول إلى الأراضي والمراعي في خلق بيئة تدفع السكان إلى مغادرة المنطقة. وكانت الأمم المتحدة قد وثقت منذ يناير/كانون الثاني 2023 أربع عمليات نزوح في القرية طالت 113 فلسطينياً، بينهم 57 طفلاً. وفي 20 أغسطس/آب الماضي، أصيب 11 فلسطينياً خلال هجوم للمستوطنين على المغير، وفق التقرير الأممي الصادر في 28 أغسطس/آب، فيما استمرت الاعتداءات على طريق القرية الوحيد، بما أدى إلى إصابات وأضرار بالمركبات وتعطيل الحركة. الحصار الاقتصادي والاجتماعي لا تتوقف آثار الإغلاق عند حرية الحركة. فالقرية المحاصرة تفقد تدريجياً قدرتها على ممارسة حياتها الطبيعية؛ إذ يتضرر العمال والطلاب والمزارعون، وترتفع تكلفة النقل، ويصعب الوصول إلى الخدمات الصحية، بينما تصبح الأراضي الزراعية والمراعي أكثر صعوبة في الوصول إليها.

في محافظة نابلس، برزت قرى مثل مادما، دوما، اللبن الشرقية، تل وجالود في تقارير الأمم المتحدة باعتبارها مناطق تواجه أشكالاً مختلفة من القيود والاعتداءات. وفي اللبن الشرقية، أُغلق طريق بواسطة كتل إسمنتية، ما أثر في وصول الطلبة بالمركبات إلى مدارس المنطقة. وفي مناطق أخرى، أدت البوابات والإغلاقات إلى إجبار السكان على استخدام طرق أطول وأقل سهولة للوصول إلى منازلهم وأراضيهم. أما جالود، فقد تحولت خلال الأشهر الماضية إلى مثال على العلاقة بين الاعتداءات الاستيطانية والحصار التدريجي. ففي يوليو/تموز، نزحت عائلتان فلسطينيتان تضمان سبعة أشخاص، بينهم ثلاث فتيات، بعد أشهر من الترهيب وإقامة بؤرة استيطانية قرب منازلهم، إلى جانب أضرار طالت شبكات المياه والكهرباء وقيود على الوصول إلى مركز القرية والخدمات الأساسية. وفي قرية تل جنوب نابلس، أدى هجوم استيطاني في يوليو/تموز إلى إحراق منزل فلسطيني ونزوح عائلة من خمسة أفراد، وتزامن ذلك مع تشديد القيود العسكرية في محافظة نابلس، حيث أُغلقت حواجز رئيسية ونُصبت حواجز إضافية، ما أعاق الوصول إلى أماكن العمل والرعاية الصحية والتعليم.

الأغوار.. الضغط بقطع المياه

وفي الأغوار ومناطق الرعي، يرتبط تقييد الحركة أيضاً بالضغط على مصادر المياه. ووثقت الأمم المتحدة خلال 2026 أضراراً طالت أكثر من 60 منشأة وشبكة مرتبطة بالمياه والصرف الصحي في 32 تجمعاً فلسطينياً، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على نقل المياه بالصهاريج. وفي تجمعات أخرى، يصبح إغلاق الطرق جزءاً من معادلة أوسع: مستوطنون يقتربون من المنازل، تُفرض قيود على الحركة، تتعرض البنية التحتية للتخريب، ثم تبدأ العائلات بمواجهة واقع يجعل البقاء أكثر صعوبة من السابق. من الإغلاق إلى تغيير الخريطة سياسياً، تكمن خطورة هذه السياسة في تراكم آثارها. فكل إغلاق منفرد يمكن تقديمه باعتباره إجراءً أمنياً مؤقتاً، لكن اجتماع مئات الحواجز والبوابات مع التوسع الاستيطاني والاعتداءات على السكان يجعل النتيجة النهائية مختلفة: تجزئة المجال الجغرافي الفلسطيني إلى جيوب منفصلة، ترتبط ببعضها بشبكة طرق خاضعة للسيطرة العسكرية. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن 121 تجمعاً فلسطينياً تعرضت لنزوح كلي أو جزئي بين يناير/كانون الثاني 2023 ويوليو/تموز 2026، بينها 46 تجمعاً أُفرغت بالكامل. كما تجاوز عدد الفلسطينيين الذين نزحوا في هذا السياق 6200 شخص، بينهم أكثر من 3000 طفل، بينما تجاوز عدد النازحين خلال عام 2026 وحده 2300 شخص. وتتضح الصورة أكثر في الأغوار ومناطق الرعي، حيث أدت الاعتداءات والقيود المرتبطة بها إلى نزوح أكثر من ألفي فلسطيني منذ 2023، فيما أصبحت 11 تجمعاً في الأغوار خالية بالكامل من سكانها خلال الفترة نفسها، بينها خمسة تجمعات خلال عام 2026. وتكشف سياسة حصار القرى مثل قصرة والمغير وجالود وتل ومادما ودوما واللبن الشرقية، إلى جانب تجمعات الأغوار ومسافر يطا، عن نمط يتجاوز فكرة "الحاجز" بمعناه التقليدي. فالحصار بات منظومة متعددة الأدوات: إغلاق طرق، بوابات، حواجز، اعتداءات مستوطنين، تضييق على الأرض والمياه، هدم ونزوح. ولذا فإن المعركة على القرى الفلسطينية ليست فقط معركة على حرية الحركة، وإنما على إمكانية استمرار السكان في أماكنهم والحفاظ على التواصل الجغرافي والاجتماعي بين التجمعات الفلسطينية. وبينما تقول إسرائيل إن جزءاً من الإغلاقات يرتبط بالاعتبارات الأمنية، يرى الفلسطينيون والأمم المتحدة أن استمرار القيود، بالتزامن مع توسع الاستيطان وعنف المستوطنين، يخلق بيئة قسرية تدفع السكان تدريجياً إلى ترك الأرض. وفي هذا السياق، تبدو قصرة أكثر من مجرد قرية محاصرة؛ إنها نموذج مصغر لصراع أوسع على شكل الضفة الغربية ومستقبلها، وعلى ما إذا كانت ستبقى مساحة فلسطينية مترابطة أم تتحول إلى جيوب معزولة تحيط بها المستوطنات وشبكات الطرق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من الرسالة

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)